تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وقد جربّت على نفسي : هل هذا التأثير يعود إلى اشتياقي المفرط في فهم معاني القرآن ؟ فوجدتُ الجواب : لا ، وإن كان اهتمامي بمعرفة معاني القرآن كثيرا ، لكنّه ليس هو العامل الوحيد ، بل المعاني إذا كانت غير متسلسلة تسلسلًا منطقيّا ، وكانت متفرّقة إلى حدّ ما ، ليس لها ذلك التأثير والجذبة الملحّة . إنّما هي في جرس الألفاظ وفي روعة الكلمات المنضّدة ذلك النضد البديع ، والمنتظمة ذلك النظم العجيب . وفي نظامه الصوتي الغريب ، الذي يأخذ بالألباب ويدوّي برنّته ملأ الآفاق . ويمكن تعليل ذلك بنضد كلماته أوّلًا ذلك النضد الرائع ، نضدا يفوق نظم الشعر ويسطو تأثيره على تأثير السحر . وثانيا في استقامة سبكه وتأليف لفظه غير محايد على قواعد اللغة الأصح الأفصح الأفشى . وثالثا جزالة الكلام وسلاسته ، في صياغة عذبة يستسيغها كلّ عربيّ صميم وكلّ عارف بأُصول اللغة . إنّ هذه السهوله والسلاسة تجدها في عامّة قصصه وأمثاله وحكمه ، وحتى في تشريعاته وأحكامه ، بحيث يهشّ لها المسامع ويجلو لها الأذهان ، فتراهم وهم يستمعون إليه إلّا وتنطبع ترسيماته على صفحات الأذهان ، وهو أثر متبقّ خالد للقرآن مدى الأحقاب . « 1 » * * * ويُعجبني أن أذكر هنا حادثا طريفا عرض له سيّد قطب أثناء سفرته إلى « نيويورك » على ظهر باخرة ، فيها الكثير من الأجانب المسيحيّين . يقول هو عنه : إنّ الأداء القرآني يمتاز من الأداء البشري : إنّ له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للأداء البشري ، حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثّر بتلاوته المجرّدة ، على الذين لا يعرفون من العربّية حرفا . . وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل . . ولن أذكر نماذج ممّا وقع لغيري ، ولكنّي أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستّة ، وكان ذلك منذ حوالي خمسة عشر
هامش
( 1 ) - راجع : كيف عرفت القرآن قرآن را چگونه شناختم ترجمة واقتباس ذبيح اللّه منصوري ، ص 25 - 32 . ( انتشارات مجيد - طهران ) ط 3 / 1369 ه . ش .