القرآن على كلامهم ، بل بهذا العجز النفسي الحاصل لهم قهرا ، فيتذاكروا - ولو عندما يخلو بعضهم لبعض - : مالنا قد نقصنا في قرائحنا ، وما هذا الكلول الحادث في أذهاننا !
ثمّ قال : وفي سياق آية التحدّي ما يدلّ على فساد هذا الزعم ، إذ لا يقال عمّا إذا منع الإنسان عن الشيء قهرا عليه ، مع قدرته عليه قبل المنع - : إنّي قد جئتكم بمالا تقدرون على مثله . بل كان يجب أن يقال : إنّ لي القدرة على أن أحول بينكم وبين مقدوركم ، وأسلبكم القدرة على أمر كان متعارفا عندكم .
ويقول - في خاتمة الفصل - : ينبغي أن يقال لهم ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم ، وما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن ؟ وما دعاكم إليه ؟ وما أردتم منه ؟ أو هل يكون لكم قول يحكى ، فتكونوا امّة على حدة أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت الناس ؟ . . . » . « 1 »
كلمة الإمام الرازي
ولفخر الدين أبي عبداللّه الرازي كلمة موجزة في دحض شبهة القول بالصرفة ، قالها ردّا على مقالة النظّام بأنّ القرآن كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام ، والعرب إنّما لم يعارضوه لأنّ اللّه تعالى صرفهم عن ذلك وسلب علومهم به .
قال الرازي : ويدلّ على فساد ذلك وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّ عجز العرب عن المعارضة - لو كان - لأنّ اللّه أعجزهم عنها ، بعد أن كانوا قادرين عليها ، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن ، بل يجب أن يكون تعجّبهم من تعذّر ذلك عليهم ، بعد أن كان مقدورا عليه لهم ، كما أنّ نبيّا لو قال : معجزتي أنّى أضع يدي على رأسي هذه الساعة ويكون ذلك متعذّرا عليكم - ويكون الأمر كما زعم - لم يكن تعجّب القوم من وضعه يده على رأسه ، بل من تعذّر ذلك عليهم . ولمّا علمنا بالضرورة أنّ تعجّب العرب كان من فصاحة القرآن نفسها بطل ما قاله النظّام .
هامش
( 1 ) - الشافية ، ص 146 - 155 .