- كما يقول ابنعطية - : « لو نزعت منه لفظة ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد » .
بل هو كما وصفه تعالى
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » .
« 1 »
وميزة أخرى تفوق بالقرآن الكريم على سائر الكلام : أنّه خطاب مع العامّة كما هو خطاب مع الخاصّة ، وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس . إنّك لوخاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء ، لنزلت بالكلام إلى مستوىً لايرضونه . ولو أنّك خاطبت العامّة باللّمحة والإشارة التي تخاطب بها الخاصّة للجأتهم إلى مالا تطيقه عقولهم ، فلا غنى لك - إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقّها كاملًا من بيانك - أن تخاطب كلّ واحدة منهما بغير ما تخاطب الأُخرى ، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال . . . فأمّا أنّ جملة واحدة وتعبيرا واحدا تلقي إلى العلماء والجهلاء ، وإلى الأذكياء والأغبياء وإلى السوقة والأُدباء ، فيراها كلّ منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته ، فذلك مالا تجده - على أتمّه - إلّا في القرآن الكريم ، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير ، ويراه العامّة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لايلتوي على أفهامهم ، ولا يحتاجون منه إلى ترجمان وراء وضع اللغة ، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء ، ميسّر لكلّ من أراد
« وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » .
« 2 »
وميّزات أُخرى أيضا ذكرهنّ بهذا الشأن ، سوف نوافيك بها في فصل قادم عند الكلام عن دلائل الإعجاز ، في الحقل الثاني من الكتاب إن شاء اللّه .
* * *
[ 4 - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في أسلوب القرآن الجداد * * * ]
4 - وقال الأُستاذ مصطفى صادق الرافعي : وقد كان من عادة العرب أن يتحدّى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب ، ثقة منهم بقوّة الطبع ، ولأنّ ذلك مذهب من مفاخرهم ، يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة ، وهم مجبولون
هامش
( 1 ) - هود 1 : 11 .
( 2 ) - القمر 17 : 54 . راجع : النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن ، ص 95 - 106 .