تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
هو أروع وأبدع . لا نريد أن نحدّثك هاهنا عن معاني القرآن وماحوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر ، فإنّ لهذا الحديث موضعا آخر يجيء - إن شاء اللّه تعالى - في بحث الإعجاز العلمي وحديثنا الآن كما ترى في شأن الإعجاز اللغوي ، وإنّما اللغة الألفاظ . بيد أنّ هذه الألفاظ ينظر فيها تارة من حيث هي أبنية صوتيّة مادّتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات من غير نظر إلى دلالتها . . . وتارة من حيث هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلّم إلى نفس المخاطب بها ، وهذه الناحية لاشك أنّها هي أعظم الناحيتين أثرا في الإعجاز اللغوي ، إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان ، أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام . والفضيلة البيانية إنّما تعتمد دقّة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو ، سواء كان ذلك المعنى حقيقة أو خيالًا ، وأن يكون هدى أو ضلالًا ، فقد كانت حكايات القرآن لأقوال المبطلين لا تقصر في بلاغتها عن سائر كلامه ، لأنّها تصف ما في أنفسهم على أتمّ وجه . انظر حيث شئت من القرآن الكريم ، تجد بيانا قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير ، فلا تحسّ فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير ، يؤدّي لك من كلّ معنى صورة نقيّة وافية ، نقيّة لا يشوبها شيء ممّا هو غريب عنها ، وافية لايشذّ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكماليّة . كلّ ذلك في أوجز لفظ وأنقاه . ففي كلّ جملة منه جهاز من أجهزة المعنى ، وفي كلّ كلمة منه عضو من أعضائه ، وفي كلّ حرف منه جزء بقدره ، وفي أوضاع كلماته من جمله ، وأوضاع جمله من آياته سرّ الحياة الذي ينتظم المعنى بأداته . وبالجملة ترى - كما يقول الباقلّاني - محاسن متوالية وبدائع تترى . ضع يدك حيث شئت من المصحف ، وعُدّ ما أحصته كفُّك من الكلمات عدّا ، ثمّ أحص عدّتها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن الدفّتين ، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك ، ثمّ انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله ؟ وأيّ كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها هناك ؟ فكتاب اللّه تعالى