تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
لقصر الفواصل وطولها ، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة ، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة . . . فإنّنا نؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر كلّها مجتمعة . جاء في القرآن الكريم
« وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » .
« 1 » وجاء فيه حكاية عن كفّار العرب :
« بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ » .
« 2 » وصدق القرآن الكريم ، فليس هذا النسق شعرا . ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين ولا جاهلين بخصائص الشعر ، يوم قالوا عن هذا النسق العالي : إنّه شعر ! لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع ، وسحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر ، وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل . وتلك خصائص الشعر الأساسية ، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل . على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا . فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة ؛ فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة . وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر ، الموسيقى الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل ؛ والتقفية التي تغني عن القوافي ؛ وضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا ، فشأن النثر والنظم جميعا . « 3 » وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه ؛ يبرز بروزا واضحا في السور القصار ، والفواصل السريعة ، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامّة ؛ ويتوارى قليلًا أو كثيرا في السور الطوال ، ولكنّه - على كلّ حال - ملحوظ دائما في بناء النظم القرآني . « 4 » وسنأتي على أمثلة ضربها لذلك في فصل قادم « 5 » إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) - يس 69 : 36 . ( 2 ) - الأنبياء 5 : 21 . ( 3 ) - يقول الدكتور طه حسين : إنّ القرآن ليس شعرا وليس نثرا . إنّما هو قرآن ! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات ، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي . ولكنّه نوع ممتاز مبدع من النثر الفنّي الجميل المتفرّد . ( 4 ) - التصوير الفنّي في القرآن ، ص 79 - 80 . ( 5 ) - عند التعرّض لمزايا النظم القائم في القرآن وخصائصه العجيبة .