تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
العجز عن إدراك كنه الخالق :
« عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ » .
« 1 » «
يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
» . « 2 » ثمّ هذا الاستطراد في وصف القدرة الإلهيّة :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » .
« 3 » ولكن الموسيقى الباطنية ليست هي كلّ ما انفردت به العبارة القرآنية ، وإنّما مع الموسيقى صفة أخرى هي الجلال ! وفي العبارة البسيطة المقتضبة التي روى بها اللّه نهاية قصة الطوفان ، تستطيع أن تلمس ذلك الشيء « الهائل » « الجليل » في الألفاظ :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ » .
« 4 » تلك اللمسات الهائلة . . . كلّ لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود . . . تنزل فإذا كلّ شيء صمت . . سكون ، هدوء ، وقد كفّت الطبيعة عن الغضب ووصلت القصة إلى ختامها :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ » .
إنّك لتشعر بشيء غير بشريّ تماما في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة المنحوتة من صخر صوان ، وكأنّ كلّ حرف فيها جبل الألب . لا يمكنك أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بأخرى ، أو تؤلّف جملة مكان جملة ، تعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة . . وحاول وجرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر ، أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بكلمة ! ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة ! ولم يكن مستغربا من جاهلي مثل الوليد بن‌المغيرة ، عاش ومات على كفره ، أن
هامش
( 1 ) - الرعد 9 : 13 . ( 2 ) - الرعد 13 : 13 . ( 3 ) - الأنعام 59 : 6 . ( 4 ) - هود 44 : 11 .