10 - وأمّا تقييد عموم النفي في قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 » بالرؤية في الدنيا ، أو برؤية الكافرين ، فهو تأويل قبيح بعد أن كانت الآية إشارة بشأن من شؤون الربّ تعالى ومدحا لائقا بمقام قدسه جلّ ثناؤه . قال تعالى :
« بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ » .
« 2 »
انظر إلى هذا الإطراء الجميل بمقام الأُلوهية الكريمة ، نوّهت عن صفات ونعوت جليلة كانت صبغتها العموم المطلق ، لا الاختصاص بهذه الحياة القصيرة المدى أو بأناس دون أناس ، الذي يتنافى وكونها صفات جلال وإكرام . هذا ، فضلًا عن تذييل الآية بشبه تعليل للنعوت المذكورة :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
. إذ اللطيف مقابل الكثيف ، لا يمكن مسّه ولا النظر إليه ، والخبير هو المحيط بخصوصيات الشيء
« وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » .
« 3 » فإذا ماقارنّا هذا التعليل الذي في الذيل ، مع تلكم النعوت في صدر الآية ، يتّضح جانب عموم تلك الصفات بجلاء ، الأمر الذي لا يكاد يخفى على ذوي الأذواق الأدبية الدقيقة !
ولابنتيمية هنا محاولة فاشلة ، قال : « المراد من الإدراك في الآية هي الرؤية المقيّدة بالإحاطة ، ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل لا يقال أنّه أدركها ، وإنّما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية . قال : ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك ، وإنّما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع ، بل المستدلّ بالآية عليه أن يبيّن أنّ الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية ، وأنّ كلّ من رأى شيئا يقال في لغتهم أنّه أدركه ، وهذا لا سبيل إليه ، كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص ، فقد تقع رؤية بلا إدراك ، وقد يقع إدراك بلا رؤية . . . » .
هامش
( 1 ) - الأنعام 103 : 6 .
( 2 ) - الأنعام 101 : 6 - 104 .
( 3 ) - يونس 61 : 10 .