9 - وأمّا قوله : « لا موجود إلّا وجائز أن يريناه اللّه » فلا يعدو سفسطة ومصادرة على المطلوب ، إذ لا ملازمة بين مطلق الوجود وإمكان الرؤية ، بعد أن لم يثبت ذلك ببرهان ، ولا كان ضروري الثبوت في الوجدان .
نعم استدلّ متفلسفوهم ببرهان « السبر والتقسيم » ، قالوا : إنّا قاطعون برؤية الأعيان والأعراض ، ضرورة أنّا نفرق بالبصر بين جسم وجسم ، وعرض وعرض ، ولابدّ من علّة مشتركة بين الجسم والعرض لهذا الحكم المشترك بينهما ، وهي : إمّا الوجود ، أو الحدوث ، أو الإمكان ، إذ لارابع يشترك بينهما . غير أنّ الحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم ، والإمكان عبارة عن عدم ضرورة الوجود . والعدم لا مدخل له في العلّية ، فتعيّن الوجود « وهو مشترك بين الصانع تعالى وغيره من الأجسام والأعراض » إذن جاز رؤيته تعالى لأنّه موجود . « 1 »
ومغالطة هذا الاستدلال واضحة ، إذ العرض بما هو عرض لا يقبل تعليق الرؤية به ، مالم يقم بجسم ، فيرى من حيث كونه جسما . وذلك كالكمّ والكيف والأين والوضع والجدة والإضافة والفعل والانفعال ومتى . « 2 » فالأعراض التسعة المشهورة لاتقبل تعلّق إحساس بها في أنفسها . فإنّ العدد بما هو عدد لايُرى وإنّما يُرى المعدود . وهكذا بقية الأعراض .
إذن فالذي يُرى هو الجسم . والعلّة هي الجسمية ، المفقودة في ذاته المقدّسة .
وأمّا قياس الأشعري الرؤية بالعلم فهو قياس مع الفارق ولا جامع بينهما . مضافا إلى أنّ الاستدلال بالوجود والعلم على جواز الرؤية باطل في نفسه ، بعد أن نجد في بداهة العقل أشياء لها وجود ، كالعلم والعقل والإرادة والكراهة والحبّ والبغض ، « 3 » هي موجودة ومعلومة ولكن لا تصحّ رؤيتها لأنّها ليست أجساما ، وما ليس جسما لا يمكن تحقّق التقابل بينه وبين نظر الرائي ، وهو شرط في تحقّق الرؤية .
هامش
( 1 ) - شرح العقائد النسفية ، ص 56 .
( 2 ) - تجريد الاعتقاد لابن المطهّر الحلّي قدس سره ، ص 107 .
( 3 ) - راجع : شرح الأصول الخمسة ، ص 274 .