وأضاف : « أنّ الآية مدح ، ومعلوم أنّ كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح ، لأنّ النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمّن أمرا ثبوتيا ، ولأنّ المعدوم أيضا لا يرى ، والمعدوم لايمدح ، فعلم أنّ مجرّد نفي الرؤية لامدح فيه » . « 1 »
وقد غفل أنّ الإدراك جاء في الآية مقيّدا بالأبصار ، وهو من أوضح القرائن على أنّ المراد به « الرؤية بالعين » تجاه تقييده بالقلب ، المراد به الدرك النفساني المجرّد ، يقال :
أدركته ببصري ، ويراد معنى يغاير قولهم : أدركته بقلبي . وهذا كاف مستندا للمستدلّين بالآية على نفي رؤيته تعالى ، الأمر الذي لم يتنبّه له شيخ حرّان !
هذا ، ونفي الرؤية في الآية جاء معلّلًا بأنّه تعالى « لطيف » ، وهو من النفي المتضمّن للإثبات لا النفي المحض ، فهو كقوله تعالى :
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
« 2 » لكونه « حيّا قيّوما » وقوله :
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ »
« 3 » كناية عن عظم إحاطته تعالى . وأمثال ذلك كثير في القرآن . وهكذا قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ،
« 4 » لكونه « لطيفا » . كما أنّ قوله :
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
جاء معلّلًا بكونه « خبيرا » .
وهذا من اللطائف الدقيقة التي تضمّنتها الآيات الكريمة ، لا تنالها أفهام القشريّين من أهل الحشو .
وهذا الشيخ عدي بنمسافر الأموي ( ت 557 ) أحسن تقديسا لمقام الألوهية من هؤلاء المقلّدة السلفيّين ، قال : « وإنّه تعالى ليس بجوهر ولاعرض ولاجسم ، وإنّه ليس في جهة من الجهات ، وليس مستقرّا على مكان وأنّه مرئي بالقلوب والإبصار - بكسر الهمز - ولا تحويه الأقطار والأبصار - بالفتح - ولا تحيط به الجهات ، وأنّه واحد فرد صمد ، لا ثاني معه ولا شيء مثله » .
قال : « فهذا هو العلم بذاته ، مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده تعالى ، استواء منزّها
هامش
( 1 ) - منهاج السنّة ، ط بيروت ، ج 2 ، ص 243 - 244 وط مصر ، ج 1 ، ص 216 .
( 2 ) - البقرة 255 : 2 .
( 3 ) - البقرة 255 : 2 .
( 4 ) - الأنعام 103 : 6 .