تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
عن قصد التمويه ، لغرض تأويله إلى أهداف باطلة ، ذريعة إلى تشويه الحقيقة ، وهم أهل الزيغ والانحراف ممّن يبغي الفساد بين العباد ، وفرقة ثالثة - هم الراسخون في العلم المؤمنون حقّا - يقفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر ، ولسان حالهم : أنّ هذا المتشابه كأخيه المحكم - صادر عن مقام الحكمة تعالى وتقدّس ، فلابدّ أنّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذات ، وهذه الفكرة عن المتشابه هي التي تدعو المؤمنين حقّا الراسخين في العلم إلى البحث والتحقيق عن تخريجه الصحيح . والباحث الصادق - أمام المتشابه - لا يضطرب اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف
« فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ »
« 1 » ولا يتروّغ مراوغة المعاند الغاشم ، ليجعل من المتشابه ذريعة للعبث والفساد فيالأرض
« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » .
« 2 » وإنّما يقف عنده وقفة المتأمّل الفاحص عن جلي الأمر . ولا شكّ أنّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته وثباته على إيمانه الصادق ، وقد جرت سنّة اللّه في خلقه : أنّ من جدّ وجد ومن لجّ ولج . قال تعالى :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » .
« 3 » والخلاصة : أنّ الراسخين في العلم ، بفضل ثباتهم على العقيدة الصادقة ، سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراده اللّه ، ويكون قولهم :
« آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
تمهيدا لطلب الحقيقة ، ونقطة باعثة نحو البحث عن طرق التحقيق والفحص . وهكذا قال الشيخ محمد عبده : وأمّا دلالة قولهم :
« آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
على التسليم المحض ، فهو لا ينافي العلم ، فإنّهم إنّما سلّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم ، لعلمهم باتفاقه مع المحكم ، فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حقّ اليقين ، لا يضطربون ولا يتزعزعون ، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدّ سواء ، لأنّ كلًاّ منهما من عند اللّه ربّنا ، ولا غرو ، فالجاهل فياضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم . ومن اطلع على
هامش
( 1 ) - الحج 11 : 22 . ( 2 ) - آل‌عمران 7 : 3 . ( 3 ) - العنكبوت 69 : 29 .