الراسخين في العلم بأنّهم يقولون : آمنّا به . وقال في أوّل سورة البقرة :
« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » .
« 1 » فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل ، لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأنّ كلّ من عرف شيئا على سبيل التفصيل ، فإنّه لابدّ أن يؤمن به . إنّما الرّاسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أنّ اللّه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أنّ القرآن كلام اللّه تعالى ، وعلموا أنّه لا يتكلّم بالباطل والعبث . فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنّه لا يجوز أن يكون ظاهرها مرادا للّه تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثمّ فوّضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأنّ ذلك المعنى - أيّ شيء كان - فهو الحقّ والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم باللّه ، حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين ، عن الإيمان باللّه والجزم بصحّة القرآن » . « 2 »
قلت : ليس كلّ من عرف الحقّ اعترف به وأذعن له ، قال تعالى :
« يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ » .
« 3 » هذا ، والمدح على الإيمان عن بصيرة أولى من المدح على إيمان أعمى . قال الإمام البيضاوي : « مدح الراسخين في العلم بجودة الذهن وحسن النظر ، وإشارة إلى ما استعدوا للاهتداء به إلى تأويله ، وهو تجرّد العقل عن غواشي الحس » . « 4 »
والتقييد بالجملة الحالية - هنا - جاء للإشارة إلى نكتة دقيقة ، هي : أنّ المتشابه متشابه على كلّ من العالم والجاهل جميعا ، سوى أنّ العالم بفضل علمه بمقام حكمته تعالى ، يجعل من المتشابه موضع تأمّله ودقيق نظره ، وبذلك يتوصّل إلى معرفة تأويله الصحيح في نهاية المطاف .
توضيح ذلك : أنّ الناس تجاه المتشابه ثلاث فرق : فرقة تستريح إلى ظاهره ، وهم غالبية العامّة ممّن لا معرفة له بأصول معارف الإسلام الجليلة ، وفرقة تعمد إلى المتشابه
هامش
( 1 ) - البقرة 26 : 2 .
( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 177 .
( 3 ) - النحل 83 : 16 .
( 4 ) - تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 5 .