تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
الكفر والجحود . قالوا : صاحب الكبيرة لا يُسمّى مؤمنا ولا كافرا ، وإنّما يسمّى فاسقا . أمّا الأوّل ، فلأنّ مرتكب الكبيرة يستحقّ الذمّ واللعن والاستخفاف والإهانة ، ولا شيء من ذلك يصلح لشأن المؤمن الذي يستحقّ المدح والتعظيم والموالاة . وقد سمّوا من خالفهم في هذا الرأي بالمرجئة . « 1 » وأمّا الثاني ، فلأنّ الكافر هو من يستحقّ العقاب العظيم ، ويتختصّ بأحكام مخصوصة ، وله حالة جحود لِنِعَم اللّه تعالى عليه ، الأمر الذي لا ينطبق على مرتكب الكبيرة . وخالفهم في هذا الرأي الخوارج . « 2 » وهي - أيضا - من المسائل التي اختلفنا فيها مع أصحاب الاعتزال ، لزعمهم أنّ من شرط الإيمان هو العمل بالأركان . « 3 » فأخذوا من فروع أحكام الإسلام قيدا في ثبوت أُصوله ، ومن ثَمَّ فإنّ المشروط والمقيّد بشيء ينتفي عند فقد شرطه وقيده . قال القاضي : لأنّ الأُمّة اتّفقت على أنّ ركعتي الفجر « 4 » من الدين ، وإذا ثبت أنّه من الدين ثبت أنّه من الإيمان ، لأنّ الدين والإيمان واحد ! « 5 » قلت : الإيمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان . أمّا فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فهو من آثار الإيمان المترتّبة عليه مع الالتفات إليه . ويختلف حسب اختلاف درجة الإيمان وقوّته ، كالعقل حسب درجاته في الكمال يُؤثّر في اتّزان الإنسان في أفعاله واجتناب القبائح . فكما لايصحّ أن يقال لكلّ مرتكب قبيح : أنّه فاقد للعقل إطلاقا ، كذلك لايصحّ نفي الإيمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود . ومن ثمّ فإنّ الفاسق باق على إيمانه ، وهو الذي يدعوه إلى التوبة والاستغفار ولولاه لم يتب ولم يكن يؤوب . نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى إنكار
هامش
( 1 ) - راجع : شرح الأصول الخمسة ص 701 - 711 . ( 2 ) - راجع : المصدر ، ص 712 . ( 3 ) - الإيمان عند أبيعلي وأبيهاشم عبارة عن أداء الطاعات ، الفرائض دون النوافل واجتناب المقبحات . وعند أبيالهذيل عبارة عن أداء الطاعات ، الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبحات . وقد اختاره قاضي القضاة . انظر : المصدر ، ص 707 - 708 . ( 4 ) - يعني نافلته حسب اختياره مذهب أبيالهذيل في كون النوافل من الإيمان . ( 5 ) - المصدر ، ص 708 .