استحقّ مدحا على عمل استحقّ ثوابا عليه ، وكذا الذمّ والعقاب . أمّا قياس دوام أحدهما على دوام الآخر فلا موضع له ، بعد أن كانت مرحلة الاستحقاق بمعزل عن مرحلة الفعلية والوقوع . لأنّ معنى دوام الاستحقاق ، هو جواز مذمّة العاصي في أيّ وقت من الأوقات ، ولا يختصّ ذلك بالآن المباشر لظرف عصيانه . الأمر الذي لا يعني الاستدامة في مذمّته ليل نهار على مرّ الدهور .
وهكذا العقاب ، يستحقّه العاصي في أيّ وقت من الأوقات ، فمتى ما أراد المولى عقابه صحّ ذلك منه . وهذا لا يعني جواز الإدامة من عقابه على مرّ الزمان مع الأبدية . لأنّ ذلك عقاب فوق استحقاقه وظلم يتحاشاه عدله تعالى وحكمته المطلقة .
أمّا اختصاص تفضّله تعالى بالصغار القصّر فلم نعرف له وجها ، ولا هم أقاموا على إثباته برهانا . فضلًا عن مخالفته الصريحة لنصّ الكتاب والسنّة المتواترة ، فإنّ فضله تعالى عظيم « 1 » ورحمته واسعة « 2 » وقد وعد بغفران الذنوب جميعا . « 3 »
الثالثة : هل المغفرة خاصّة بالتائبين أم هي عامّة ؟
زعمت المعتزلة اختصاصها بمن يموت عن توبة وندم واستغفار .
لكن في نصوص الكتاب والسنّة صراحة في عمومها لمن مات عن إيمان فإن كان تائبا فيموت مغفورا له كمن لا ذنب له ، وغيره يموت مرجوّا لأمره تعالى إمّا يعذّبه على قدر استحقاقه ثمّ يغفر له ، أو يتفضّل عليه بالغفران من أوّل مرّة بلا تعذيب . وإنّ في كثير من العبادات الواجبة ، والأعمال الصالحة ، لمطهرة للذنوب حتّى الكبائر ، فضلًا عن الصغائر ، فإنّها مغفورة بذاتها على شرط اجتناب الكبائر . « 4 »
هامش
( 1 ) -« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ». الأنفال 29 : 8 .
( 2 ) -« قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ». الأعراف 156 : 7 .
( 3 ) -« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ». الزمر 53 : 39 .
( 4 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 351 ، باب 27 من كتاب العدل والمعاد .
ولنا بحث مستوفى عن الصغائر ، وأن لاصغيرة ذاتا وإنّما هي نسبيّة . واللّمم في الآية النجم 32 : 53 يراد به الذنب يرتكبه المؤمن عفوا ومن غير قصدٍ لعصيان ، ومن غير أن يكون مصرّا عليه ، لكنّه فرط منه فرطا فيتذكّر لفوره ويتوب إلى اللّه .« إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ». الأعراف 201 : 7 .« وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ . وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ». آل عمران 135 : 3 .