تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
تلك آيات الطبع ، وقد أسنده تعالى إلى نفسه ، نظرا لأنّ اللّه تعالى هو الذي أقدرهم على ذلك ، وجعل لهم الاختيار في الرفض والقبول ، تحقيقا لحكمة التكليف والاختبار ، حسبما تقدّم تفصيله . وفي الحقيقة إنّه إخبار عن واقعية سوداء هم عملوا في تكوينها وفي تمهيد أسباب وجودها ، بما أعرضوا عن ذكر اللّه ونسوا الآخرة . وفي الآيات ما يشفّ عن هذا الجانب السلبي في ذوات أنفسهم ، كان هو السبب العامل لتكوين الحالة المذكورة . وعلى نفس المنهج تعابير اخر ، كالرين على القلوب ، والأكنّة عليها ، والحؤول دونها ، وتقليبها ، وإغفالها ، وتعميتها ، وما أشبه من مثل كونها غلفا أو مقفّلة أو محتجبة أو مريضة أو زائغة . . . الخ ، كلّها تعابير عن تلكم القسوة والجفاء التي انطوت عليها قلوب جاحدة ماتت حيويّتها ووقفت نبضاتها عن الفعّالية والإدراك الإنساني النبيل . ومن ثمّ جاء التعبير بالأموات وبالخشب المسنّدة من الجماد أيضا فضلًا عن التعبير عنهم بالحيوانات البهم :
« كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ . فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » .
« 1 » وفيما يلي عرض نماذج من تلكم الآيات مضافة إلى ما سبق : 15 - قال تعالى :
« وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً » .
« 2 » 16 - وكذا في سورة الإسراء ، الآية رقم 46 . 17 - وقال :
« إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً » .
« 3 » والدليل على أنّها تعابير كنائيّة وإخبار عن واقعية سوداء هم اكتسبوها ، قوله تعالى - حكاية عن أنفسهم - : 18 - :
« وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ » .
« 4 » هذه الآية مسبوقة بقوله تعالى :
« فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
، وملحقة بقوله :
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
هامش
( 1 ) - المدّثّر 50 : 74 - 51 . ( 2 ) - الأنعام 25 : 6 . ( 3 ) - الكهف 57 : 18 . ( 4 ) - فصّلت 5 : 41 .