تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
إليه ، وتعاف استماعه - كأنّها مستوثق منها بالختم . وأبصارهم - لأنّهم لا تجتلي آيات اللّه المعروضة ، ودلائله المنصوبة ، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين - كأنّما غطّي عليها وحجبت ، وحيل بينها وبين الإدراك . وأمّا التمثيل ، فأن تمثّل - حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلّفوها ، وخلقوا من أجلها - بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ، بالختم والتغطية . « 1 » وقال البيضاوي : الختم الكتم ، سمّي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه ، لأنّه كتم له والبلوغ آخره ، نظرا إلى أنّه آخر فعل يفعل في إحرازه . والغشاوة فعالة من غشاه إذا غطّاه ، بنيت لما يشتمل على الشيء ، كالعصابة والعمامة . قال : ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة ، وإنّما المراد بهما : أن يحدث في نفوسهم هيأة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات ، بسبب غيّهم وانهماكهم في التقليد ، وإعراضهم عن النظر الصحيح ، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحقّ ، وأسماعهم تعاف استماعه ، فتصير كأنّها مستوثق منها بالختم . وأبصارهم لاتجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق ، كما تجتليها أعين المستبصرين ، فتصير كأنّها غطّي عليها وحيل بينها وبين الأبصار . وسمّاه - على الاستعارة - ختما وتغشية . أو مثّل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها ، بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ، ختما وتغطية . قال : وقد عبّر عن إحداث هذه الهيأة بالطبع في قوله تعالى :
« أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ » .
« 2 » وبالإغفال في قوله تعالى :
« وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا » .
« 3 » وبالإقساء في قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً » .
« 4 » وقال : - في وجه نسبة ذلك إلى اللّه - : وهي من حيث أنّ الممكنات بأسرها مستندة إلى اللّه تعالى ، واقعة بقدرته ، أسندت إليه . ومن حيث أنّها مسبّبة ممّا اقترفوه - بدليل قوله
هامش
( 1 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 48 - 49 . ( 2 ) - النحل 108 : 16 . ( 3 ) - الكهف 28 : 18 . ( 4 ) - المائدة 13 : 5 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 290 | الشيخ محمد هادي معرفة