ونحن - في هذا العرض - نقدّم فصولًا نبحث خلالها عن مسائل : « الاختيار » و « الإرادة » و « الأمر بين الأمرين » وعن نسبة ما بين قدرة العبد وقدرته تعالى . وعن السرّ في إضافة الأفعال والمولدات إليه سبحانه ، وما إلى ذلك من بحوث لها صلة بالموضوع ، وأخيرا نتعرّج إلى شبهات أهل الجبر وحلّ متشابهات آيات تشبّثوا بها في هذا المجال ، وتخريج تأويلها الصحيح إن شاء اللّه تعالى ، ومنه التوفيق .
الأفعال الاختيارية
أمّا أهل العدل والتنزيه فوقفوا من مسألة « الاستطاعة » موقفا نزيها ، وقدّسوا ساحة قدسه تعالى أجمل تقديس ، في هدى العقل الرشيد ومحكمات الآيات والآثار الصحيحة .
قالوا : إنّ اللّه خلق الخلائق لا شريك له في الخلق ، ولا خالق سواه ، وركّب في كلّ مخلوق صفة وجعل لكلّ موجود أثرا ، وجعل من أوصاف الأشياء وآثارها نوعين ، منها ما يصدر عنها صدورا لاباختيارها ولا هي مقيّدة بإرادتها ، كطلوع الشمس وإشراقها ، ونبت الشجر وأثماره . ومنها ما يصدر عنها صدورا تحت اختيارها ومقيّدة بإرادتها ، كمشي الدابّة ووقوفها وطلبها للحشائش وأكلها .
قالوا : هناك فرق ضروري بين حركة يد المرتعش الحادثة لاعن اختياره ، وتحريك اليد لتناول الطعام والشراب ، المنضبط تحت الاختيار . كالفرق بين التنفّس والتكلّم ، وهكذا بين نبات الشعر وحلقه ، الأوّل لا اختياري والثاني اختياري .
والفعل الاختياري هو ما إذا شاء الإنسان فعله أو شاء تركه ، الأمر الذي يجده الإنسان في صميم فطرته فارقا بين الأمرين بديهيا لاغبار عليه .
كما يجد الإنسان من نفسه الفرق بين تعلّق الإرادة بالعمل الذي يريده ، وتعلّق العلم به . حيث لا أثر للعلم في تحقّق المعلوم ، أمّا الإرادة فهي الباعثة على تحقّق المراد . وكذا القدرة على عمل هي التي جعلته تحت اختياره إن شاء فعله أو تركه ، ولا هكذا أثر للعلم بالنسبة إلى المعلوم .