من سورة المائدة - تسع آيات
54 ( 1 ) -
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ . وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً . . .
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ »
. « 1 »
قال أكثر المفسّرين : إنّها منسوخة بآية السيف وبآية
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » .
« 2 »
وقال قوم : إنّها لم تنسخ . وهو المروي عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام . « 3 » قلت : أمّا المقطع الأوّل من الآية إلى قوله :
« وَرِضْواناً »
فلا يعقل نسخها ، بعد أن كان حكما ثابتا في الشريعة لا يزال . فلا تحلّ شعائر اللّه أبدا ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد . ولايمسّ القاصدون لبيت اللّه بسوء أبدا . لاسيّما وهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا ، ولاشكّ أنّهم بهذه السمة مسلمون مُؤمنون ، فيجب أن يكونوا آمنين ، حكما إسلاميا مع الأبد .
وأمّا المقطع الثاني فظاهر الآية البدائي أنّ المقصود بالقوم هم المشركون ، فقد أمر المسلمون أن لايتعرّضوا لهم ولا يمنعوهم عن المسجد الحرام ، ولايقوموا بعمليّة الانتقام والمقابلة بالمثل إزاء صدّ المشركين بوجه المسلمين قبل ذلك .
وهذا المعنى قد نسخ بآية السيف وآية
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ »
. لكن نسخا على غرار ما سبق من النسخ المشروط .
نعم للآية مسحة عموم : لا ينبغي للمسلم أن تأخذه حميّة جاهليّة فيتذكّر عداء قديما ويقوم بعملية انتقاميّة وهو في طريق عبادة اللّه . إذ يجب أن يتناسى حينئذ جميع ما بينه وبين ما سواه تعالى ، ويتفانى في اللّه عزّ شأنه . ومن ثمّ عبّر بقوله :
« أَنْ تَعْتَدُوا »
وعقّبه بكلّيّة
« وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ »
تأكيدا على أنّ القيام بأيّ عمليّة انتقاميّة حينذاك إثم
هامش
( 1 ) - المائدة 2 : 5 .
( 2 ) - التوبة 28 : 9 . راجع : مجمع البيان ، ج 3 ، ص 155 ؛ والدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 254 .
( 3 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 288 .