اختيارنا في ضابط القبول
ونحن إذ كنّا نعتبر القرآن ذاحقيقة ثابتة ، ومستقلًا بذاته ، متغائرا عن القراءات جملة ، فإنّ مسألة « اختيار القراءة الصحيحة » عندنا منحلّة ، وهي التي تتوافق مع النصّ المتواتر بين المسلمين ، منذ الصدر الأوّل فإلى الآن . ولم يكن اختلاف القراءات سوى الاختلاف في كيفيّة التعبير عن هذا النصّ ، حسب اجتهادات القرّاء ولا عبرة بهم إطلاقا ، وإنّما الاعتبار بالنصّ الأصل المحفوظ كاملا على يد الأُمَّة عبر الأجيال .
وقد تقدّم كلام الإمام بدرالدين الزركشي : « القرآن والقراءات حقيقتان متغائرتان . . .
الخ » . « 1 »
وكلام سيدنا الأُستاذ الإمام الخوئي رحمه الله : « تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ، لأنّ الاختلاف في كيفيّة ( أداء ) الكلمة ، لا ينافي الاتفاق على أصلها . . . الخ » . « 2 »
وهكذا تعاهد المسلمون نصّ القرآن أُمَّة عن أُمَّة ، نقلا متواترا في جميع خصوصيّاته الموجودة ، نظما وترتيبا ، ورسما وقراءة ، بكلّ أمانة وإخلاص عبر العصور ، معجزة قرآنية خالدة :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 3 » أي على يد هذه الأُمَّة مع الأبديّة .
وعليه فالقراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع هذا النّص المتّفق عليه لدى عامّة المسلمين ، وغيرها شاذّة غير جائزة إطلاقا ، ولاسيّما إذا كانت تخالفه جوهريّا فباطلة بالإجماع .
وتوضيحا لهذا الإجمال لابدّ من تمهيد مقدّمة ، نستوضح فيها مسألة « تواتر النّص القرآني » ثمّ التعرّج إلى مسألة « اختيار القراءة الصحيحة » نظرا للعلاقة القريبة بين المسألتين في صميم هذا البحث ، وإليك بإيجاز :
هامش
( 1 ) - في « تصريحات أئمّة الفنّ » . وراجع : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 318 .
( 2 ) - في « القرآن والقراءات حقيقتان متغايران » . وراجع : تفسير البيان ، ص 173 .
( 3 ) - الحجر 9 : 15 .