تواتر القرآن
ممّا يبعث على اعتزاز جانب هذه الأُمّة ، هو تحفّظهم على كتاب اللّه نصّا واحدا - كما أُنزل على النبيّ محمد صلى الله عليه وآله - طول التأريخ .
المسلمون - على اختلاف نزعاتهم وتباين آرائهم ومذاهبهم - اتفقوا كلمة واحدة ، منذ الصدر الأوّل - عهد الصحابة الأوّلين - وهكذا عبر الأجيال ، أُمّةً بعد أُمّةٍ ، حتى العصر الحاضر ، وسيبقى مع الدهر ، على نصّ القرآن الأصيل ، في جميع حروفه وكلماته ، ونظمه وترتيبه ، وقراءته . تلقّوه من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وتوارثوه يدا بيد ، في حيطة كاملة وحذر فائق .
ومانقرؤه اليوم هو الذي كان يقرؤه المسلمون في العهد الأوّل . وما نجده اليوم من النّص المثبت بين الدّفتين ، هو الذي أثبته السلف الصالح كما أخذوه من فيّ رسولاللّه صلى الله عليه وآله بلاتحوير ولا تحريف قطّ !
حدّث محمد بن سيرين ( ت 110 ) عن عبيدة السلماني ( ت 73 ) قال : « القراءة التي عرضت على النبي صلى الله عليه وآله في العام الذي قبض فيه ، هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم » . « 1 »
وقال خلّاد بن يزيد الباهلي ( ت 220 ) : قلت ليحيى بن عبداللّه بن أبي مليكة ( ت 173 ) : إنَّ نافعا حدّثني عن أبيك ، عن عائشة ، أنّها كانت تقرأ : « إذ تَلقونَهُ » بكسر اللام وضم القاف « 2 » وتقول : إنّها من « ولق الكذب » ! فقال يحيى : مايضرّك أن لا تكون سمعته عن عائشة ، وما يسرّني أنّي قرأتها هكذا ، ولي كذا وكذا ! . قلت : ولِمَ ؟ وأنت تزعم أنّها قد قرأت ؟
قال : لأنّه غير قراءة الناس . ونحن لووجدنا رجلًا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلّا التوبة أو نضرب عنقه . نجيء به نحن عن الأُمَّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله عن جبرائيل عن اللّه عزّوجلّ ، وتقولون أنتم : حدّثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى ! أنّ ابن مسعود يقرأ
هامش
( 1 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 142 .
( 2 ) - والقراءة المشهورة :« تَلَقَّوْنَهُ »بفتح اللام والقاف المشدّدة . النور 15 : 24 .