وهي لطيفة بديعة تحسن في الخطاب لاثبت الكتاب !
وهذا نظير ما حكاه سبحانه عن عزيز مصر ، خطابا مع يوسف ويلتفت لفوره إلى امرأته يؤنّبها :
« يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا . وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ » .
« 1 » الأمر الذي يصحّ حال المواجهة بالكلام شفاها لا غير .
وفي سورة الحمد ، تبتديء بتمجيد اللّه سبحانه غيابا ، ثُمَّ يتحوّل الكلام إلى مسائلته تعالى خطابا . وهو من بديع الالتفات بيّنّاه في التفسير .
وفي سورة عبس تبتديء بالعتاب غيابا
« عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى »
. ثمّ مواجهةً خطابا مع الرسول
« وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . . . » .
« 2 »
وفي سورة الأنفال :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ . قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ »
. كلام عن المؤمنين غيابا في خطاب مع النبيّ . وفجأة يتوجّه الخطاب مع المؤمنين :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . . . » .
« 3 » وما ذلك إلّا لكونه في صياغة خطاب .
وفي سورة الأعراف :
« يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً
.
ذلِكَ خَيْرٌ ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ »
نراه تعالى يواجه بنيآدم في الخطاب معهم مشافهةً ويكتمل كلامه وكأنّه يتكلّم عن غائبين . ثُمَّ يكرّ عليهم راجعا ليخاطبهم بقوله :
« يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ . . . » .
« 4 »
كان الخطاب أوّلًا مع بنيآدم بالمواجهة . ثُمَّ صُرف الكلام إلى بيان الحكمة من غير مواجهة لأحد . ثُمَّ رجع إلى ما كان عليه أوّلًا من الوعظ والإرشاد والتحذير والإنذار .
3 - مراعاة الرويّ
من مزايا السجع في الكلام مراعاة الرويّ إذا لوحظ منطوقا لا مكتوبا . وفي القرآن كثير من التسجيع على حساب النطق بالكلام لاثبته محض كتاب .
هامش
( 1 ) - يوسف 29 : 12 .
( 2 ) - عبس 1 : 80 - 3 .
( 3 ) - الأنفال 1 : 8 .
( 4 ) - الأعراف 26 : 7 - 27 .