1 - التنقّل الفجائي :
من ميزات الكلام إذا كان مقالًا في خطاب ، جواز التنقّل الفجائي من موضوع إلى موضوع ومن حالة إلى حالة أخرى قد لا تكون بينهما مناسبة ظاهرة ، وممّا يُعَّد عيبا في سرد الكلام إذا كان كتابا لا إذا كان خطابا معتمدا على قرائن المقام .
خذ مثلًا سورة القيامة ، تبتديء بالكلام عن الإنسان وشأنه من قيام الساعة حتى تأتي إلى قوله تعالى :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ »
. وفجاءةً يتوجّه الكلام خطابا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » .
ويعود فورا إلى مواجهة الإنسان بالتقريع عليه :
« كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ »
. ثُمَّ يتحوّل إلى الكلام عن حالة الإنسان في يوم القيامة :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . . . »
« 1 » إلى آية ثلاثين . وبعدها يتحدّث عن إنسان متبخترٍ لاصدّق ولاصلّى ولكن كذّب وتولّى ثُمَّ ذهب إلى أهله يتمطّى . . . وهكذا نجد السياق يصول ويجول ويتحوّل ويتنقّل . . . فتارة تشنيع وأُخرى تقريع وثالثة تهويل وتفضيع حتى نهاية السورة .
فما هذا الكرّ والفرّ ، والرجعة والإقدام ، إلّا لكونه سياق خطاب لاسياق كتاب ! فقد حصل التنقّل في هذه السورة ست مّرات ، وهذا من خصائص القرآن البديعة بلا ريب .
يقول الإمام الرازي بصدد تبرير هذا النوع من الالتفات الفجائي ( الشديد الانحراف ) عند تفسير الآية :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . . »
: يجوز أنّ الرسول صلى الله عليه وآله اتّفق له عند نزول هذه الآيات أن استعجل بقراءتها خوف الضياع ، فلاجرم نهي عن ذلك لفوره . وهذا كما أنّ المدرّس إذا كان يلقي على تلميذه درسا فأخذ التلميذ يلتفت يمينا وشمالًا ، فينبّهه المدرّس لفوره ويقول له في أثناء ذلك الدرس : لا تلتفت يمينا وشمالًا ، ثُمَّ يعود إلى الدرس .
هامش
( 1 ) - القيامة 14 : 75 - 24 .