فإذا ضبطت تلك المحاضرة بكاملتها مع ما تخلّلها من كلام - كما إذا سجّلت على شريط - لم يعرف من لاعلم له بالواقعة ، وجه المناسبة في سياق هذا الكلام . ولكن من علم ذلك عرف أنّه حسن الترتيب . « 1 »
2 - ظاهرة الالتفات
ومن سورة يس ، تجد فيها بديعة الالتفات بيّنةً :
« إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ . سَلامٌ ، قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ . وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
- إلى قوله - :
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . . . » .
« 2 »
فأوّلًا كان الكلام عن أصحاب الجنّة بصورة غياب .
ثمّ تحوّل إلى صورة خطاب بالسلام عليهم ذلك اليوم .
وفجأةً تحوّل الخطاب إلى المجرمين - إلى قوله - :
« كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. لكنّه رجع إلى صورة الغياب في قوله :
« الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ . . . » .
وهذا النوع من التداور في الكلام لا يحسن في الكتابة ، ويكون بديعا في الخطاب .
وفي سورة الفتح :
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً . وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها . . . » .
« 3 »
بدأ بالكلام عن المؤمنين غيابا في خطاب موجّه إلى النبيّ ، وفجأةً تحوّل إلى الخطاب مع المؤمنين أنفسهم .
هامش
( 1 ) - التفسيرالكبير ، ج 30 ، ص 222 - 223 .
( 2 ) - يس 55 : 36 - 65 .
( 3 ) - الفتح 18 : 48 - 20 .