جهة ثالثة : إسقاطه سورتي المعوذتين ( الفلق والناس ) ، اعتقادا منه أنّهما عوذة يتعوّذ بهما لدفع العين أو السحر ، كما ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله تعوّذ بهما من سحر اليهود ، وقال : ما تعوّذ متعوّذ بأفضل من
« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . . . »
و
« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . . . » .
« 1 »
وقد صحّ الإسناد إلى ابن مسعود : أنّه كان يحكّ المعوذتين من المصاحف ، ويقول :
لاتخلطوا بالقرآن ما ليس منه ، إنّهما ليستا من كتاب اللّه ، إنّما أمر النبيّ صلى الله عليه وآله أن يتعوّذ بهما .
وكان ابنمسعود لا يقرأ بهما في صلاته . « 2 »
هذا . . وقد أنكر بعضهم صحّة هذه النسبة إلى ابن مسعود ، كالرازي وابن حزم - فيما نقل عنهما ابن حجر - وردّ عليهما بصحّة إسناد الرواية قال : والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل . بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل . « 3 »
وأخذ الباقلاني في بيان هذا التأويل ، قال : لم ينكر ابنمسعود كونهما من القرآن ، وإنّما أنكر إثباتهما في المصحف ، فإنّه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئا إلّا أن كان النبيّ صلى الله عليه وآله أذن في كتابته فيه . وكأنّه لم يبلغه الإذن في ذلك ، فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا .
قال ابنحجر : وهذا تأويل حسن ، إِلّا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك ، حيث جاء فيها : ويقول إنّهما ليستا من كتاباللّه . نعم يمكن حمل لفظ كتاب اللّه على المصحف ، فيتمشّى التأويل المذكور . « 4 »
قلت : هذا التأويل الأخير أيضا لا يلتئم مع قوله : « لاتخلطوا بالقرآن ما ليس منه » . « 5 »
( ملحوظة ) : قديزعم البعض أنّ ما نسب إلى ابن مسعود يناقض القول بتواتر النصّ القرآني !
لكن غير خفيّ : أنّ ابن مسعود لم ينكر كونهما وحيا - بمعنى العامّ - وإنّما أنكر كونهما
هامش
( 1 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 416 - 417 .
( 2 ) - فتح الباري ، ج 8 ، ص 571 ؛ والدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 416 .
( 3 ) - فتح الباري ، ج 8 ، ص 571 .
( 4 ) - المصدر .
( 5 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 416 .