لكن المؤمنين الصادقين صمدوا على الثبات والإيمان وعزموا على مجابهة العدوّ بكلّ مجهودهم ، وانتدبهم رسولاللّه صلى الله عليه وآله قصدا لإرهاب المشركين ، وفي مقدّمة المنتدبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
والشاهد في قوله تعالى :
« قالَ لَهُمُ النَّاسُ »
إشارة إلى أُناس معهودين أو فرد معهود .
والمقصود من « النّاس » الذين جمعوا لهم ، هم أصحاب أبيسفيان .
نعم مجموعة هذه الحادثة تفيدنا مسألة الثبات على الإيمان وأن لا نهاب عدوّا ولا تجمّع الناس ضدّ الحقّ ما دام اللّه ناصرنا وكافلنا ، نعم المولى ونعم النصير .
وقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » .
« 1 »
إنّما يعني الذين كفروا على عهده صلى الله عليه وآله وعاندوا وأصرّوا على اللجاج ، بعد وضوح الحقّ وسطوع البرهان . وليس مطلق الكفّار على مرّ الزمان . وهذا تيئيس للنبيّ صلى الله عليه وآله فلا تذهب نفسه عليهم حسرات .
قال العلّامة الطباطبائي قدسسره : ولا يبعد أن يكون المراد هم الكفّار من صناديد قريش وكبراء مكة الذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك . إذ لا يمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفّار ، وإِلّا لانسدّ باب الهداية . فالأشبه أن يكون المراد من
« الَّذِينَ كَفَرُوا »
هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم كفّار مكة في أوّل البعثة ، إِلّا أن تقوم قرينة على خلافه . نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله :
« الَّذِينَ آمَنُوا »
فيما اطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق ، هم السابقون الأوّلون من المؤمنين .
خصّوا بهذا الخطاب تشريفا . « 2 »
وهكذا قال رحمهالله في تفسير سورة الكافرون : هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر . ويدلّ عليه أمره صلى الله عليه وآله أن يخاطبهم ببراءته من دينهم وامتناعهم من دينه . « 3 »
هامش
( 1 ) - البقرة 6 : 2 - 7 .
( 2 ) - تفسير الميزان ، ج 1 ، ص 50 .
( 3 ) - المصدر ، ج 20 ، ص 526 .