العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد
هذه قاعدة اصوليّة مطّردة في جميع أحكام الشريعة المقدّسة ، فما يصدر من منابع الوحي والرسالة بشأن بيان أحكام اللّه وتكاليفه للعباد ، ليس يخصّ موردا دون مورد ، ولم يأت الشرع لمعالجة حوادث معاصرة ، وإنّما هو شرع للجميع . الأمر الذي دعا بالفقهاء إلى إلغاء الخصوصيات المورديّة والأخذ بإطلاق الحكم ، إن لفظيّا أو مقاميّا ، حسب المصطلح .
هذا بالنسبة إلى كافّة أحكام الشريعة ، سنّة وكتابا ، وإن كان في الكتاب آكد . وقد عرفت صريح الروايات بهذا العموم في آيات القرآن . فكلّ ما في القرآن من أحكام وتكاليف واردة في الآيات الكريمة ، فإنّما ينظر إليها الفقهاء من الوجه العامّ ، ولايأبهون بخصوص المورد إطلاقا .
نعم هناك بعض الخطاباتِ مع فئات معهودة ، صدرت على نحو القضيّة الخارجيّة ، « 1 » فإنّها لاتعمّ بلفظها ، وإن كانت قد تعمّ بملاكها ، إذا كان قد أُحرز يقينا . وفي القرآن منه كثير .
قال تعالى :
« الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . . . » .
« 2 »
نزلت الآية بشأن المؤمنين بعد منصرفهم من وقعة « احُد » وقد أصابهم القرح الشديد .
وكان أبو سفيان حاول الكرّة وتندّم على انصرافه عن القتال . وبلغ الخبر للمسلمين ، وكان الّذي أشاع الخبر هو نعيم بنمسعود الأشجعي ، كما في الحديث عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام . « 3 » وقيل : الركب الذي دسّه أبو سفيان للإرجاف بالمؤمنين . وقيل : هم المنافقون بالمدينة .
هامش
( 1 ) - من مصطلح علم الميزان المنطق وهو عبارة عن معهوديّة الموضوع في القضيّة ، كقولك : أكرم من في المسجد أو في المدرسة ، تريد من هو في مسجد البلد أو مدرسته في الحال الحاضر . وليس في كلّ الأزمان وكلّ المساجد والمدارس على الإطلاق .
( 2 ) - آل عمران 172 : 3 - 173 .
( 3 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 541 .