سوى أنّ الآية نزلت فيمن سلفت منه هذه الشنيعة المنكرة ثمّ تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى ، فقد عفى اللّه عمّا سلف .
وقال تعالى :
« وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » .
« 1 »
فقد خفي وجه ارتباطها مع صدر الآية :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » .
كما خفي المقصود من هذا الاستنكار على صنيع يبدو غريبا !
أمّا إذا راجعنا سبب النزول : « أنّ الحُمس « 2 » وهي القبائل الستّ العربيّة كانت إذا أحرمت امتنعت من الدخول إلى الخَباء أو البيوت إِلّا من ظهورها ، فينقبون في مؤخّرتها نقبا يدخلون ويخرجون منه » . وبذلك يرتفع الإبهام بكلا جانبيه .
وقال تعالى :
« إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ . . . » .
« 3 »
كانت العرب تدين بحرمة الشهور الأربعة امتدادا لملّة إبراهيم عليه السلام . لكنّهم ربّما كان يشقّ عليهم المكث طول ثلاثة أشهر لا يغزون ، أو ربّما كانت الحرب على ساق فيهلّ أحد الأشهر الحرم ، وكان يصعب عليهم ترك القتال . ولذلك كانوا ينسئون ذلك الشهر إلى وقت آخر ليستمرّوا في النهب والغزو وسفك الدماء . .
وهكذا كانوا ينسئون بمراسم الحج لتتوافق مع فصل الربيع كلّ عام ، وكان قد وافق الحجّ قبل حجّة الوداع ذاالقعدة ، فلمّا حجّ النبيّ صلى الله عليه وآله في القابل ، قال في خطبته : « ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها
هامش
( 1 ) - البقرة 189 : 2
( 2 ) - الحُمس - بالضمّ فسكون - جمع أحمس وحمساء ، بمعنى المتصلّب في دينه ومذهبه ، اطلق على ستّ قبائل معروفة : قريش وخزاعة وكنانة وثقيف وجشم وبني عامر بن صعصعة . مجمع البيان ، ج 2 ، ص 284 .
( 3 ) - التوبة 37 : 9 .