الأصبهاني . « 1 » لكن الآيتين تصبير للنبيّ صلى الله عليه وآله تجاه أذى المشركين ، وتوعيد بهم ، فهما من آيات الصفح المكّية ، ولا وجه لعدّهما مدنيّتين .
وحكى ابن الغرس استثناء قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ
( إلى قوله : )
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
« 2 »
قال جلالالدين : ويردّه ما أخرجه الحاكم : أنّه نزل بعد نزول صدرالسورة بسنة ، وذلك حين فرض قيام الليل في أوّل الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس « 3 » وهكذا أخرج عبد بنحميد عن عكرمة ، قال : لبث المسلمون بعد نزول :
« يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ . . . »
سنة فشقّ عليهم وتورّمت أقدامهم ، حتى نسختها آخر السورة :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ » .
« 4 »
قلت : تمسّك القائل بمدنيّة الآية ، بأنّ الصلاة والزكاة لم تفرضا بمكة « 5 » هو استدلال غريب ، لأنّ الصلاة هي أولى فريضة فرضت بمكة « 6 » أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود وأنصبة مقرّرة ، وإنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك ، كما في قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ »
« 7 » وقوله :
« الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » .
« 8 »
نعم جاءت تفاصيل حدودها وأحكامها بالمدينة ، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلا شك .
وليته تمسّك بقوله :
« وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
والقتال لميشرّع أصلا إِلّا بالمدينة .
لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال : هو ما يقع فعليّا ، لاما سيفرض وسيقع بعد ذلك ! والاحتمال الثاني أوجه ، نظرا إلى أنّه تعالى - في هذه الآية - يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد وتبديله إلى تكليف آخر خفيف . ومن تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك .
هامش
( 1 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 46 .
( 2 ) - المزّمّل 20 : 73 .
( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 46 .
( 4 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 280 .
( 5 ) - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 382 .
( 6 ) - راجع : السيرة لابن هشام ، ج 1 ، ص 259 .
( 7 ) - المؤمنون 4 : 23
( 8 ) - فصّلت 7 : 41 .