الثاني : أنّها نزلت يوم الفتح ، فهمّ المسلمون أن يقعوا في المشركين ، ويقتلوهم شرّ قتلة ، تشفّيا بما كانوا فعلوا بهم يوم أحد : كان قد أصيب من الأنصار يومذاك أربعة وستون .
ومن المهاجرين ستة منهم حمزة بن عبد المطلب ، وقد مثّل بهم المشركون ! فقالت الأنصار :
لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم ، فلمّا كان يوم فتح مكة ، وأمكن اللّه المسلمين من المشركين ، نزلت الآية للأخذ من حدّة المسلمين ، وأن لايتجاوزوا حدود ما أنزل اللّه !
الثالث : أنّها عامّة في كلّ ظلم ، يحاول المظلوم الانتقام من الظالم ، بعد ما يمكّنه اللّه منه .
وهذه الآية جاءت مزيجة بين الانتقام العادل والصفح الجميل ، الأمر الذي يتناسب مع حالة المسلمين يوم كانوا بمكة . ومن ثمّ قالوا : إنّها منسوخة بآية القتال . وهي نظيرة قوله تعالى :
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ »
وقوله :
« فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ »
« 1 » نزلت أوائل عهد المسلمين بالمدينة .
وهذا الرأي الأخير هو الصحيح ، نظرا إلى سياق الآية نفسها ، ومناسبتها الوثيقة مع آيات قبلها وبعدها :
قال تعالى :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . »
.
« وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . »
.
« وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » .
« 2 »
وهذه الآية جاءت تصبّر النبيّ صلى الله عليه وآله على أذى المشركين وتسلّيه عن حزنه عليهم لاحزنه منهم ، وهو دليل على أنّ الآية نزلت يوم كان المشركون صمودا تجاه دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله ومتعرّضين أذاه . وكانت نفوس مؤمنة تأبى تحمّل الضيم ، وتحاول الانتقام منهم مهما كلّف الأمر . « 3 »
هامش
( 1 ) - البقرة 190 : 2 و 191 .
( 2 ) - النحل 125 : 16 و 126 و 127 .
( 3 ) - راجع : مجمع البيان ، ج 6 ، ص 393 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 135 .