كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 1 » نزلتا بالمدينة . « 2 »
قلت : أمّا الآية رقم 41 و 42 فلا دلالة فيها على أنّ المراد هي الهجرة الثانية إلى المدينة ، بل الظاهر منها أنّها : الهجرة الأُولى إلى الحبشة ، كما روي ذلك عن قتادة أيضا . « 3 » وأمّا القول بنزول ما بعد آية الأربعين إلى آخر السورة بالمدينة فلا مستند له وسياق الآيات أيضا ينافيه .
وأمّا الآية رقم 95 و 96 فقيل : نزلت بشأن امرئ القيس الكندي ، كان قد غصب أرضا من عبدان الأشرع الحضرموتي . فشكاه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فأنكر امرؤ القيس ، فاستحلفه فاستعظم أن يحلف كاذبا ، فنزلت الآية . « 4 » وهذه القصة وقعت بالمدينة !
لكن القصّة لم تثبت ، ولهجة الآية عامّة ، وسياقها يشهد بانسجامها الوثيق مع آيات قبلها ، تهدف تقريعا عنيفا بأولئك المشركين المعاندين . وملاحظة عابرة بالآية تجعلنا نطمئنّ بأنّها مرتبطة تمام الارتباط مع الآية رقم : 91
« وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ »
توكيدا منها ، وتثبيتا بموقف المؤمنين آنذاك ، فلا يشتروا بما عاهدوا اللّه عليه ثمنا بخسا : عرض هذه الحياة الدنيا ، تجاه مااعدّ لهم من عظيم الأجر والثواب وحسن الخاتمة . « 5 »
وأمّا آية
« وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ »
« 6 » فقد اختلف المفسّرون فيها على ثلاثة أقوال :
الأوّل : أنّها نزلت يوم أحد ، عندما وقف النبيّ صلى الله عليه وآله على حمزة وقد مُثّل به ، فما كان أوجع لقلبه الكريم ، فقال : أما واللّه لُامثّلنّ بسبعين ، أو قال : بثلاثين منهم مكانك !
وهكذا لمّا سمع المسلمون ذلك ، قالوا : لئن أمكننا اللّه منهم لنمثّلنّ بالأحياء منهم فضلًا عن الأموات ، وقال بعضهم : لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب ! فنزل جبرائيل بالآية ، فكفّر النبيّ صلى الله عليه وآله عن يمينه وأمسك عن الذي أراد !
هامش
( 1 ) - النحل 95 : 16 - 96 .
( 2 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 347 .
( 3 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 118 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 384 .
( 5 ) - راجع : الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 129 .
( 6 ) - النحل 126 : 16 .