وأمّا التنزيل فهو نزول تفاصيله تدريجيّا في تمام مدّة الرسالة . « 1 »
لكن الحقيقة تبدو غير ذلك ، فقد حكى اللّه عن العرب قولتهم :
« لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » ،
« 2 » فجاء التعبير عن نزول جملة القرآن دفعة بالتنزيل . وأيضا قوله تعالى :
« لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا » ،
« 3 » والملك شخص وهو لا ينزل شيئا فشيئا مدرّجا .
وقوله :
« وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ » ،
« 4 » والآية تنزل لفردها .
وقوله :
« وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ » ،
« 5 » أي نزولها جملةً .
وقوله :
« وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ »
« 6 » أي نزوله بجملته .
ويرد على العلّامة فيما حسبه من اختصاص لفظة الإنزال بالبسائط ، قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ »
« 7 » والكتاب المنزل الذي فيه المحكم والمتشابه هو هذا القرآن الذي فيه تفصيل وتبيين .
وقوله :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا » .
« 8 » والنازل مفصّلًا هو هذا القرآن الذي نزل منجّما .
وقد جمع بين التعبيرين بشأن هذا القرآن في آية واحدة :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » .
« 9 »
وقد وهم الزمخشري هنا مرّتين ، أُولاهما : ما حسبه بشأن الإنجيل أنّه كتاب وما هو إلّا بشائر ألقاها على الحوارييّن . ولم يكن له كتاب بمعناه المصطلح . « 10 » وقوله :
« آتانِيَ الْكِتابَ »
« 11 » يعنى به الشريعة ذاتها وهو تعبير مصطلح شائع ، قال تعالى :
« يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
هامش
( 1 ) - تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 14 .
( 2 ) - الفرقان 32 : 25 .
( 3 ) - الإسراء 95 : 17
( 4 ) - الأنعام 37 : 6 .
( 5 ) - محمد 20 : 47 .
( 6 ) - الأنعام 7 : 6 .
( 7 ) - آلعمران 7 : 3 .
( 8 ) - الأنعام 114 : 6 .
( 9 ) - النحل 44 : 16 .
( 10 ) - راجع : التمهيد ، الجزء الثامن ، أين صار الإنجيل النازل على المسيح ؛ وقصص الأنبياء للنجار ، ص 399 .
( 11 ) - مريم 30 : 19 .