الظاهر خلافه . ولم يقل القوم : لولا علمنا بنزوله جملة واحدة ، بل قالوا : لولا انزل إليك جملة واحدة . وجوابهم إذا كان انزل كذلك أن يقال : قد كان الذي طلبتموه ، ولايحتجّ لإنزاله متفرقّا بماورد بنزوله في تمام الآية .
فأمّا قوله :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
« 1 » فإنّما يدلّ على أنّ جنس القرآن ( معظمه أو بدء شروعه ) نزل في هذا الشهر ، ولايدلّ على نزول الجميع فيه .
فأمّا قوله :
« وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ »
« 2 » فلا ندري من أي وجه دلّ على أنّهُ انزل جملة واحدة . وقد كان أنّه رحمهالله يبيّن وجه دلالته على ذلك . وهذه الآية بأن تدلّ على أنّه ما انزل جملة واحدة أولى ، لأنّه تعالى قال :
« قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ »
وهذا يقتضي أنّ في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه .
وقد كنّا سئِلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما ، فأملينا فيها مسألة مستوفاةً ، وذكرنا عن أهل التفسير فيها وجهين ، وضممنا إليهما وجها ثالثا تفرّدنا به . فأحد الوجهين : إنّه كان عليه السلام إذا نزل عليه الملك بشيء من القرآن قرأه مع الملك المؤدّي له إليه قبل أن يستتمّ الأداء .
حرصا منه عليه السلام على حفظه وضبطه . فأمر عليه السلام بالتثبّت حتى ينتهي غاية الأداء ، لتعلّق الكلام بعضه ببعض .
والوجه الثاني : إنّه صلى الله عليه وآله نهى أن يبلّغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه وتأويله وتفسيره .
والوجه الثالث - الذي انفردنابه - إنّه صلى الله عليه وآله نهى عن أن يستدعي من القرآن مالم يوح إليه به لأنّ ما فيه مصلحة منه لابدّ من إنزاله وإن لم يستدع ، لأنّه تعالى لايدّخر المصالح عنهم . ومالا مصلحة فيه لايُنزله على كلّ حال ، فلا معنى للاستدعاء .
فلا تعلق للآية بالموضع الذي وقع فيه . . . « 3 »
هامش
( 1 ) - البقرة 185 : 2 .
( 2 ) - طه 114 : 20 .
( 3 ) - جواب المسائل الطرابلسيّات الثالثة . ضمن المجموعة الأُولى من رسائل الشريف المرتضى ، ص 403 - 405 .