وقال المولى الفيض الكاشاني : وكأنّه أريد بذلك : نزول معناه على قلب النبيّ صلى الله عليه وآله ، كما قال تعالى :
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ » .
« 1 » ثمّ نزل طول عشرين سنة نجوما من باطن قلبه إلى ظاهر لسانه ، كلّما أتاه جبرائيل عليه السلام بالوحي وقرأه عليه بألفاظه . « 2 »
فقد أوّل رحمهالله البيت المعمور إلى قلب رسولاللّه صلى الله عليه وآله . وربّما أراد الصدوق رحمهالله أيضا هذا المعنى من قوله : وأعطى نبيّه العلم جملة واحدة .
وهكذا وقع اختيار الشيخ أبي عبداللّه الزنجاني في تأويل هذه الرواية ، قال : ويمكن أن نقول بأنّ روح القرآن وهي أغراضه الكلّية التي يرمي إليها ، تجلّت لقلبه الشريف في تلك الليلة
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ »
« 3 » ثمّ ظهرت بلسانه الأظهر مفرقّة في طول سنين
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » .
« 4 »
وقد أخذ العلّامة الطباطبائي قدسسره هذا التأويل وزاد عليه تحقيقا ، قال : إنّ الكتاب ذا حقيقة أُخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي ، وهي حقيقة ذات وحدة متماسكة لاتقبل تفصيلًا ولاتجزئة ، لرجوعها إلى معنى واحد لا أجزاء فيه ولافصول . وإنّما هذا التفصيل المشاهد في الكتاب طرأ عليه بعد ذلك الإحكام ، قال تعالى :
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » .
« 5 » وقال تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » .
« 6 » وقال :
« وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ »
. . . « 7 » إذن فالمراد بإنزال القرآن في ليلة القدر :
إنزال حقيقة الكتاب المتوحّدة إلى قلب رسولاللّه صلى الله عليه وآله دفعة ، كما أُنزل القرآن المفصّل في فواصل وظروف ، على قلبه صلى الله عليه وآله أيضا تدريجا في مدّة الدعوة النبويّة . . . « 8 »
أقول : هذا كلام لطيف ، لكنّه لا يعدو تأويلًا غير مستندٍ إلى دليل ، والمسألة قبل كلّ شيء نقليّة وليست بالعقليّة النظريّة ، ومن ثمّ نتساءل هؤلاء الأعلام : بم أوّلتم البيت المعمور الذي هو في السماء الرابعة - حسب روايات الخاصّة - أو بيت العزّة - حسب
هامش
( 1 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 .
( 2 ) - الصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 42 .
( 3 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 .
( 4 ) - الإسراء 106 : 17 . راجع : تاريخ القرآن ، ص 10 .
( 5 ) - هود 1 : 11 .
( 6 ) - الواقعة 77 : 56 - 79 .
( 7 ) - الأعراف 52 : 7 .
( 8 ) - تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 14 - 16 .