لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً » .
« 1 »
فاشتدّ حزن رسولاللّه صلى الله عليه وآله على هذه البادرة المباغتة ، ولم يزل مغموما مهموما ، حتى نزلت عليه :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
« 2 » وكانت تسلية لقلبه الحزين ، فعند ذلك سرى عنه الهمّ وطابت نفسه . « 3 »
نقد الحديث سندا
تلك أسطورة الغرانيق ، مفتراة على النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وقد أولع المستشرقون والطاعنون في الدين الإسلامي الحنيف ، بهذه الأُسطورة المصطنعة وأذاعوها وأثاروا حولها عجاجة من القول البذيء . « 4 »
في حين أنّها أكذوبة مفتعلة ، صنعتها قرائح القصّاصين ، ونسبوها إلى بعض التابعين ، ومن الصحابة إلى ابن عباس ، ودلائل الكذب والافتراء بادية على محيّاها القذر .
أولا : لم يتصل تسلس سند الحديث إلى صحابي إطلاقا . وإنّما أُسند إلى جماعة من التابعين ومن لم يدرك حياة رسولاللّه صلى الله عليه وآله وعليه فالحديث مرسل غيرموصول السند إلى من شاهد القضية - فرضا - .
وأمّا النسبة إلى ابنعباس فلا تقلّ عن غيرها ، بعد أن كانت ولادة ابن عباس في السنة الثالثة قبل الهجرة ، فلم يشهد القصة بتاتا ، وإنّما نقلت إليه على الفرض .
فالرواية من جميع وجوهها غير موصولة الإسناد إلى شهود القصة لوصحّت الواقعة .
وقواعد فنّ التمحيص في إسناد الروايات تأبى جواز الاحتجاج بمثل هذا الحديث المرسل .
هامش
( 1 ) - الإسراء 73 : 17 - 75 .
( 2 ) - الحج 52 : 22 . وسنتكلّم عن الآيتين في نهاية المقال .
( 3 ) - جامع البيان ، ج 17 ، ص 131 - 134 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 194 و 366 - 368 ؛ وفتح الباري ، ج 8 ، ص 333 .
( 4 ) - انظر : تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان ، ص 34 .