حقيقة حاضرة بعين نافذة . فاحتمال الخطأ فيه مستحيل .
تلك طريقة علميّة فلسفيّة « 1 » تهدينا إلى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبدا .
ومن ثمّ فإنّ شريعة اللّه النازلة على أيدي رسله الأُمناء ، مصونة عن احتمال الخطأ رأسا .
وهناك طريقة أخرى عقليّة تحتّم لزوم عصمة الأنبياء ، فيما يبلّغون من شرائع اللّه ، يفصّلها علماء الكلام . وتتلخّص في أنّ النبيّ المبلّغ عن اللّه ، يجب - في ضوء قاعدة اللطف - أن ينعم بصحّة كاملة في أجهزة إحساسه ، وسلامة تامّة في قوى مشاعره ، وفي مقدرته العقليّة ، فيكون مستقيما في آرائه ونظريّاته ، معتدلًا في خلقه وسيرته ، مستويا في خلقته وصورته . وبكلمة جامعة : يجب أن يختار اللّه لرسالته إنسانا كاملًا في خَلْقه وخُلُقه . كي لايتنفّر الناس من معاشرته ، ويطمئنّوا إلى مايبلّغه عن اللّه . وإلّا كان نقضا لغرض التشريع .
فالنبيّ صلى الله عليه وآله معصوم من الخطأ والنسيان ، ولاسيّما فيما يخصّ تبليغ أحكام الشريعة .
وهذا إجماع من المسلمين ومن غيرهم من عقلاء أذعنوا برسالة الأنبياء . ولولاه لكان الالتزام بشرائع الدين سفها يأباه العقل . « 2 »
هذا مضافا إلى ما عهداللّه لنبيّه بالرعاية والحفظ :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » .
« 3 » كان صلى الله عليه وآله في بدء نزول القرآن ، يخشى أن يفوته شيء فكان يساوق جبرائيل فيما يلقي عليه كلمة بكلمة فنهي عن ذلك :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ »
« 4 »
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
« 5 » قال ابنعباس : فكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له ، فإذا انطلق قرأ كما أقرأه ، « 6 » وأخيرا فإنَّ قوله تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 7 » يقطع أيّ
هامش
( 1 ) - راجع : ما كتبه الأُستاذ العلّامة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي « وحي يا شعور مرموز » ، ص 104 .
( 2 ) - راجع : مباحث العصمة من شرح تجريد الاعتقاد : المسألة الثالثة من المقصد الرابع من مباحث النبوّة العامة ، ص 195 .
( 3 ) - الأعلى 6 : 87 .
( 4 ) - القيامة 16 : 75 - 19 .
( 5 ) - طه 114 : 20 .
( 6 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 132 .
( 7 ) - الحجر 9 : 15 .