تحف العقول : روي : انّه حضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذّرهم وهم ساهون لاهون فأغاظه ذلك فأطرق مليّا ثمّ رفع رأسه إليهم فقال : انّ كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميّتا ، ألا يا أشباحا بلا أرواح وذبالا « 1 » بلا مصباح ، خشب مسنّدة وأصنام مريدة ، ألا تأخذون الذهب من الحجر ؟ ألا تقتبسون الضياء من النور الأزهر ؟ ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر ؟ خذوا الكلمة الطيّبة ممّن قالها وإن لم يعمل بها فانّ اللّه تعالى يقول :
« الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ »
« 2 » . . . إلى أن قال عليه السّلام : كأنّك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفك ، دعوته فاستجاب لك فاستوجب بجميل صنيعه الشكر فنسيته فيمن ذكر وخالفته فيما أمر ، ويلك إنّما أنت لصّ من لصوص الذنوب كلّما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه فارتكبته ، كأنّك لست بعين اللّه ، أو كأنّ اللّه ليس لك بالمرصاد ، يا طالب الجنة ما أطول نومك وأكلّ مطيّتك وأوهى همّتك ، فللّه أنت من طالب ومطلوب ، ويا هاربا من النار ما أحثّ مطيّتك إليها وما أكسبك لما يوقعك فيها ، انظروا إلى هذه القبور سطورا بأفناء الدور . . . إلى قوله : يا بن الأيّام الثلاث ، يومك الذي ولدت فيه ويومك الذي تنزل فيه قبرك ويومك الذي تخرج فيه إلى ربّك ، فياله من يوم عظيم ، يا ذوي الهيئة المعجبة والهيم « 3 » المعطنة مالي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة ، أما واللّه لو عاينتم ما أنتم ملاقوه وما أنتم إليه صائرون لقلتم :
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
« 4 » ، وقال جلّ من قائل :
« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
« 5 » . « 6 »
هامش
( 1 ) ذبالة بالضم ، جمع ذبالة : الفتيلة . ( المنجد ) .
( 2 ) سورة الزمر / الآية 18 .
( 3 ) الهيم بالكسر : الإبل العطاش ؛ وأعطنها : حبسها عند الماء فبركت بعد المورد . ( القاموس ) .
( 4 ) سورة الأنعام / الآية 27 .
( 5 ) سورة الأنعام / الآية 28 .
( 6 ) ق : 17 / 22 / 163 ، ج : 78 / 170 .