في انّ نعم اللّه لا تحصى
ذكر ما يتعلق بقوله تعالى :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
« 1 » ، قال الرازيّ :
اعلم انّ الإنسان إذا أراد أن يعرف انّ الوقوف على أقسام نعم اللّه تعالى ممتنع فعليه أن يتأمّل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه ونحن نذكر منه مثالين :
المثال الأوّل : انّ الاطبّاء ذكروا انّ الأعصاب قسمين . . . الخ .
النّعم المربوطة باللقمة الواحدة
المثال الثاني : انّه إذا اخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وما بعدها ، أمّا الأمور التي قبلها انّ تلك اللقمة من الخبز لا تتمّ ولا تكمل الّا إذا كان هذا العالم بكليّته قائما على الوجه الأصوب ، لأنّ الحنطة لا بدّ منها وانّها لا تنبت الّا بمعونة الفصول الأربعة وتركيب الطبايع وظهور الأرياح والأمطار ولا يحصل شيء منها الّا بعد دوران الأفلاك واتّصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات وفي كيفيّتها في الجهة وفي السرعة والبطؤ ثمّ بعد تكوّن الحنطة لابدّ من آلات الطحن والخبز وهي لا تحصل الّا عند تولّد الحديد في أرحام الجبال ثمّ انّ الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها الّا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ولابدّ من انتهائها إلى آلة حديديّة هي أوّل هذه الآلات ، ثمّ إذا حصلت تلك الآلات فانظر انّه لابدّ من اجتماع العناصر الأربعة حتّى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق ، وأمّا النظر فيما بعد حدوثها فتأمّل في تركيب بدن الحيوان وهو انّه تعالى كيف خلق هذه الأبدان حتّى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة ولا يمكنك أن تعرف ذلك الّا بمعرفة علم التشريح والطبّ ، فظهر بالبراهين الباهرة صحّة قوله تعالى :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ »
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم / الآية 34 .