عليهم أجمعين ) غنى ومندوحة عن الرجوع إلى زبرهم وملفّقاتهم ومواعظهم ، فإنّك إن غمرت في تيار بحار الأخبار لا تجد حقا صدر عن القوم الّا ومنها ما يشير اليه ، بل رأينا كثيرا من الكلمات التي تنسب إليهم هي ممّا سرقوها من معادن الحكمة ونسبوها إلى أنفسهم أو مشايخهم كما عرفت ذلك في « سمع » ؛ وحكي عن أبي يعلى الجعفري انّه قال في أوّل كتاب النزهة انّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج : إذا سمعت كلمة حكمة فاعزها إلى أمير المؤمنين ، يعني نفسه ، فانّه أحقّ بها وأولى من قائلها ؛ بل ورد النهي عن الاستعانة بهم
فعن ( مشكاة الأنوار ) لسبط الطبرسيّ عن الباقر عليه السّلام انّه قال لجابر : يا جابر ولا تستعن بعدوّ لنا حاجة ولا تستطعمه ولا تسأله شربة أما انّه ليخلد في النار فيمرّ به المؤمن فيقول : يا مؤمن ألست فعلت بك كذا وكذا ؟ فيستحيي منه فيستنقذه من النار ، هذا حال طعام الأجساد فكيف بقوت الأرواح .
قال المحقق الكاشاني في ( الصافي ) : في الباقري عليه السّلام : في قوله تعالى :
« فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ »
أي علمه الذي يأخذ عمّن يأخذه .
أقول : وذلك لأنّ الطعام يشمل طعام البدن وطعام الروح جميعا كما انّ الإنسان يشمل البدن والروح ، فكما انّه مأمور بأن ينظر إلى غذائه الجسماني ليعلم انّه نزل من السماء من عند اللّه سبحانه بأن صبّ
« الْماءَ صَبًّا »
إلى آخر الآيات فكذلك مأمور بأن ينظر إلى غذائه الروحاني الذي هو العلم ليعلم انّه نزل من السماء من عند اللّه ( عزّ وجل ) بأن صبّ أمطار الوحي إلى أرض النبوّة وشجرة الرسالة وينبوع الحكمة فأخرج منها حبوب الحقايق وفواكه المعارف ليغتدي بها أرواح القابلين للتربية ، فقوله عليه السّلام : علمه الذي يأخذ عمّن يأخذه أي ينبغي له أن يأخذ علمه من أهل بيت النبوّة الذين هم مهابط الوحي وينابيع الحكمة الآخذون علومهم من اللّه سبحانه حتّى يصلح لأن يصير غذاء لروحه دون غيرهم ممّن لا رابطة بينه وبين اللّه