تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨

الخطبة القاصعة

نهج البلاغة : الحمد للّه الذي لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : انّي خالق بشرا من طين ، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلّهم أجمعون الّا إبليس اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللّه إمام المتعصبين وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبيّة ونازع اللّه رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل ، ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره ، ووضعه بترفّعه ، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا ، ولو أراد اللّه سبحانه أن يخلق آدم من نور يختطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه « 1 » ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه ، لفعل ، ولو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكنّ اللّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم ، فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد ، وكان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة ، لا يدرى أمن سنيّ الدنيا أم من سنيّ الآخرة عن كبر ساعة واحدة ، فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه سبحانه بمثل معصيته ، كلّا ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج منها ملكا ، انّ حكمه في أهل السّماء وأهل الأرض لواحد ، وما بين اللّه وبين أحد من خلقه هوادة « 2 » في إباحته حمى حرّمه اللّه على العالمين . فاحذروا ، عباد اللّه ، عدوّ
هامش
( 1 ) أي المنظر الحسن . ( 2 ) أي الميل والصلح .