وعدمه ، كيف ؟ ! والعهد بعيدٌ ، والفصل طويلٌ ، وقد تخلّل بيننا عصر الأمويّين الّذين بدَّلوا الحكومة الإسلاميّة حكومةً جاهليّةً ، ومحقوا أحكام الدين ، حتىّ أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا وجوب الزكاة الثابت بنصّ القرآن ، كما يحكيه لنا التاريخ والحديث ، بل في صحيح أبي داوود ، وسنن النسائيّ أنّ أكثر أهل الشام لم يكونوا يعرفون أعداد الفرائض ، وعن ابن سعدٍ في الطبقات أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا مناسك حجّهم ، وروى ابن حزمٍ عن ابن عبّاسٍ أنّه خطب في البصرة ، وذكر زكاة الفطرة ، وصدقة الصيام ، فلم يعرفوها ، حتّى أمر من معه أن يعلِّم الناس ، فإذا كان الحال هذه بالإضافة إلى مثل هذه الأحكام الّتي هي من ضروريّات الإسلام ، ومتعلِّقة بجميع الأنام ، فما ظنّك بمثل الخمس الّذي هو حقٌّ خاصٌّ [ للنبيّ ( ص ) ] ، ولقرابته ؟ ! ولم يكن من الحقوق العامّة كما في الزكاة ، بل لخصوص بني هاشم - زادهم الله عزّاً وشرفاً - . فلا غرابة إذن في جهلنا بما كان عليه أمر الخمس في عصره ( ص ) أخذاً وصرفاً . إلّا أنّ هذا كلَّه لا يكشف عن عدم الوجوب ، وعدم الوصول لا يلازم عدم التشريع بعد أن نطق به الكتاب العزيز ، والسنّة المتواترة ولو إجمالًا . . " « 1 » .
ثمّ إنّ العامَّة قد رووا عن النبي ( ص ) وجوب الخمس في هذا النوع ، ففي صحيح البخاريّ - بستّة أسانيد - ، وصحيح مسلم ، عن ابن عبّاس ، قال : ( قدم وفد عبد القيس على رسول الله [ ( ص ) ] ، قال : مرحباً بالوفد الّذين جاؤوا غير خزايا ، ولا ندامى . فقالوا : إنَّا هذا الحيّ من ربيعة ( قد حالت بيننا وبينك كفَّار مضر ) ، ولسنا نصل إليك إلّا في الشهر الحرام ، فمرنا بشيءٍ نأخذه عنك ، وندعو إليه مَن وراءنا ، فقال : آمركم بأربعٍ ، وأنهاكم عن أربعٍ ؛ الإيمان بالله ، ثمّ فسّرها لهم : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنّي رسول الله ، وإقام الصلاة ،
هامش
( 1 ) مستند العروة الوثقى ( الخمس ) / موسوعة الإمام الخوئيّ 199 : 25 - 200 ، وقريبٌ منه في تفصيل الشريعة ( الخمس والأنفال ) : 110 - 111 .