احكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت * إلى حمام شراع وارد الثمد
الأبيات ، وفيها يقول الأعشى « 1 » :
قالت أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النعل لهفي أيّة صنعا
فكذبوها بما قالت فصبحهم * ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
ومدينتهم المشهورة الخضرمة « 2 » وهي مدينة عامرة فيها مزارع ونخل كثير أكثر من بلاد الحجاز .
قالوا « 3 » : وبأرض اليمامة نوع من الحيات سمي العربد لا يوجد في غيرها ، وقد جهد حنين بن إسحاق أن يجلبه إلى المتوكل بسرّمنرأى حين كلف مثل هذا من الأعاجيب فلم يستطع ، وذلك لأنه إذا خرج به عن اليمامة إلى موضع معروف المسافة عدم من الوعاء ، وأهل اليمامة ينتفعون به لمنع الحيات والعقارب وسائر الهوام كانتفاع أهل سجستان بالقنافذ ، وفي عهد سجستان بالقنافذ ألا تقتل قنفذة ببلدهم لأنه بلد كثير الرمل بناه ذو القرنين في مطافه وهو كثير الأفاعي والحيات ، ولولا كثرة القنافذ لتلف من هناك . وقد جلب حنين إلى المتوكل اثنين من النسناس ، إلى سائر المستغربات ، ولم يقدر على الحيات .
وذكر الجاحظ أن اليمامة كانت من بنات لقمان بن عاد .
وفتحت اليمامة صلحا في سنة اثنتي عشرة في خلافة الصدّيق رضي اللّه عنه ، على يد خالد بن الوليد رضي اللّه عنه ، بعد أن قتل مسيلمة الكذّاب ودجّال بني حنيفة .
قالوا « 4 » : لمّا قدمت وفود العرب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقدم وفد أسوأ قلوبا ولا أحرى أن يكون الإسلام لم يقر فيهم من بني حنيفة ، وذكر [ مسيلمة ] لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « اما إنه ليس بشرّكم مكانا » ، لما كانوا أخبروه من أنهم تركوه في رحالهم حافظا لها ، وكان قال عندما قدم في قومه : لو جعل لي محمد الخلافة من بعده لاتبعته ، فجاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : « لئن أقبلت ليفعلنّ اللّه بك ، ولئن أدبرت ليقطعنّ اللّه دابرك ، وما أراك إلا الذي رأيت فيه ما رأيت » ؛ وكان صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا ، فوقع أحدهما باليمامة والآخر باليمن » ، قيل : ما أولتهما يا رسول اللّه ؟ قال : « أولتهما كذّابين يخرجان من بعدي » .
فلما انصرف في قومه إلى اليمامة ارتدّ عدوّ اللّه وادعى الشركة في النبوّة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال للوفد الذين كانوا معه : ألم يقل لكم حين ذكرتموني : أما إنه ليس بشرّكم مكانا ، ما ذاك إلا لما علم أني أشركت في الأمر معه ؛ وجدّ له ضلاله بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك ، إلا أفذاذا « 5 » من ذوي عقولهم .
فوجّه « 6 » الصدّيق رضي اللّه عنه إليه خالدا رضي اللّه عنه ، وكتب إليه : أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك اللّه بأهل بزاخة وما فعلت بأسد وغطفان ، وإنك سائر إلى اليمامة ، وذلك عهدي إليك ، فاتق اللّه وحده لا شريك له ، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين ، كن لهم كالوالد ، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بني المغيرة فاني عصيت فيك من لم أعصه في شيء قط ، فانظر بني حنيفة إذا لقيتهم إن شاء اللّه ، فإنك لم تلق قوما يشبهون بني حنيفة ، كلهم عليك ولهم بلاد واسعة ، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك ، واجعل على ميمنتك رجلا ، وعلى ميسرتك رجلا ، واجعل على خيلك رجلا ، واستشر من معك من أكابر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار ، واعرف لهم فضلهم ، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم فالقهم إن شاء اللّه وقد أعددت للأمور أقرانها ، فالسهم للسهم ، والرمح للرمح ، والسيف للسيف ، فإذا صرت إلى السيف فهو الثكل ، فان أظفرك اللّه بهم فإياك والابقاء عليهم ، أجهز على جريحهم واطلب مدبرهم ، واحمل أسيرهم على السيف ، وهوّل فيهم القتل « 7 » وأحرقهم بالنار ، وإياك أن تخالف أمري ، والسّلام .
هامش
( 1 ) ديوان الأعشى : 83 .
( 2 ) انظر ياقوت : ( الخضرمة ) .
( 3 ) نزهة المشتاق : 55 ، وقد مرّ هذا في مادة « عمان » .
( 4 ) هذه المادة المتعلقة بردة أهل اليمامة جميعها عن الاكتفاء ( تاريخ الردة ) : 56 وما بعدها .
( 5 ) الاكتفاء : أفرادا .
( 6 ) المصدر السابق : 64 .
( 7 ) الاكتفاء : وهولهم بالقتل ، وهو تغيير للأصل المطابق لما هنا .