تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
يومهم ويصلون المشي إلى وقت العتمة ، ويبيتون بقية ليلتهم إلى وقت الفجر الأخير ، ثم يرحلون ، وهكذا سير « 1 » التجار الداخلين إلى بلاد السودان ، لأن الشمس تقتل بحرّها من يعرض للمشي في القائلة عند شدة القيظ وحرارة الأرض .

ينشته

« 2 » : حصن من حصون الملح على مرحلتين من جنجالة التي تعمل فيها البسط ، منها أبو العباس الينشتي « 3 » صاحب سبتة ، كان قيامه فيها سنة ثلاثين وستمائة وتلقب بالموفق ، وما زال أمره مستقيما برّا وبحرا يخاف ويرجى ويمدح ويقصد وتخاطبه الملوك من البلاد ، إلى أن اغتر بصحبة إبراهيم بن مسعود الكومي من جهة الزهد واطراح الدنيا ، فكان إذا ورد سبتة يكرمه وينزله معه ، ويصنع له السّماع ، ويتبرك به ويستريح إليه ، وهو في أثناء ذلك يعلم القلوب المائلة عنه ويبحث عن النفوس المتغيرة عليه ويتأمل الأماكن التي يدخل منها إلى إفساد دولته وإعادة دولة بني عبد المؤمن ، حتى اطلع من ذلك على المطلب وظفر بالغرض ، ولم يشعر الينشتي المغتر بزهده ، ومهلهل ودّه ، حتى نثر عليه سلكه ، وابتزّ منه ملكه فصبّحه مثل راغية البكر ، وجاء مع جيش من قبل صاحب مراكش الرشيد عبد الواحد ، فخرج جنده القليل ورجاله وعامة أهل سبتة ، فحمل عليهم الجيش المراكشي حملة فقد فيها من السبتيين نحو ستمائة وتخاذل الباقون ، فملك عليهم البلد ، واستخفى الأهل والولد ، وألقى الينشتي بيده ، فخلع نفسه ، وقيّد مع جماعة من أهل سبتة خيف من كل واحد منهم الوثوب على مثل ما وثب عليه الينشتي ، وكان له ولدان ، فاختفى الأكبر محمد وجرت عليه خطوب في خلوصه إلى البحر ثم حبسه ببجاية ووصوله إلى الاسكندريّة ولحوقه باليمن ، والولد الأصغر حين سار مع أبيه ، فيقال إن وبأ جارفا كان بحضرة مراكش أهلك الجميع من الغرباء المذكورين ، وقيل إن الوالد والولد هلكا بشربة لبن ، واستمرت بسبتة دولة الرشيد عبد الواحد ، وتردّدت عليها ولاته إلى آخر أيامه . وكان أبو العباس هذا سلك مسلك الأدباء وتغرب ووصل إلى بغداد ، وكان موصوفا في أيامه بحسن المجالسة وإكرام الوافدين والاصغاء للمادحين ، وكان بذله على مقدار ما يحتمله بلده ، أخبر من حضر مجلسه أن أديبا من الأندلس أخذ يحكي من حكايات البرامكة وأمثالها ما استقله ، فقال : يا أهل الأندلس لا تحكوا لنا من الحكايات إلا ما يسعه بلدنا . وجيء إليه بشخص من أهل مراكش ، سمع وهو يقول - وقد رآه على فرس عتيق وعليه ثياب ملوكية وغفارة كحلاء ، وبين يديه العبيد بالرماح ، وبجانبه الحجّاب - : ذا العار ابن العار يريد أن يحكي بني عبد المؤمن ، فما زاده على أن قال له : العار ابن العار من لا يحكي بني عبد المؤمن ، ثم خلّى سبيله ، فلم يصبح المراكشي إلا في طريق مراكش خوف أن يتعقّب في رأيه . وكان من جهة أخرى في نهاية من الغيرة على الملك ، بلغه أن طلحة بن الشرقي من أكابر دولة بني عبد المؤمن قد قال : لو كان في سبتة رجل ما ملكها هذا ، وأشار إليه ، فأحضره وقال : زعمت أن ما في سبتة رجل ، وأنا أكذبك ، احملوه وغرقوه في اللجة ، فحمل في زورق وغرق .

اليهودية

« 4 » : إحدى مدن أصبهان ، وهي اثنتا عشرة مدينة بعضها قريب من بعض ، والمتميزة منها بالسمة المشهورة جيّ وشهرستانة « 5 » واليهودية . وفي سنة تسع عشرة وستمائة « 6 » نزل الططر على أصبهان ، وقاسوا عليها زحوفا لم يقاسوها على غيرها من بلاد الإسلام ، إلى أن نشأ بين رئيس الشفعوية فيها وبين رئيس الحنفية فتنة ، فقتل الشفعويّ الحنفي ، وسما ابن الحنفي لطلب الثأر ، فسار إلى الططر ، وضمن لهم أن الحنفية معه ، فأرسلوا معه جمعا عظيما ، فكان ذلك سببا لأن غلبوا عليها .
هامش
( 1 ) الإدريسي : سفر . ( 2 ) بروفنسال : 198 ، والترجمة : 241 (Iniesta) ؛ وهذه المادة شديدة الاضطراب عنده ، لوجود تقطيع في الأصل الذي ينقل عنه . ( 3 ) قد مرّ التعريف بالينشتي في مادة « بليونش » . ( 4 ) انظر نزهة المشتاق : 204 ، وياقوت ( اليهودية ) . ( 5 ) ياقوت : شهرستان . ( 6 ) راجع مادة « أصبهان » .