تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
قال : نعم وأستعين بالله عليه ، فقال : اعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا ، فقال : يا أمير المؤمنين أنا بقوسي أوثق ، ورمحي في يدي أسدّ « 1 » ، ولكن قد قبلت السيف والترس ، فلبس السلاح ، واستدناه الرشيد فودّعه وأتبعه الدعاء ، وخرج معه عشرون من المطوعة . فلما انقض « 2 » في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحدا واحدا : إنما كان في الشرط عشرون وقد ازددتم رجلا ، ولكن لا بأس ، فنادوه : ليس يخرج إليك منا إلا رجل واحد ، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله العلج وقد أشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون صاحبهم ، فقال له الرومي : أتصدقني عما أسألك عنه ؟ قال : نعم ، قال : أنت ابن الجزري بالله ؟ قال : اللهم نعم ، ثم أخذا في شأنهما ، فاطّعنا حتى طال الأمر بينهما ، وكاد الفرسان يقومان تحتهما ، وليس منهما واحد خدش صاحبه ، ثم رميا برمحيهما ، هذا نحو أصحابه وهذا نحو حصنه ، وانتضيا سيفيهما وقد اشتدّ الحرّ عليهما وتبلد جواداهما فجعل ابن الجزري يضرب الرومي الضربة التي يظن أنه بالغ فيها ، فيتقيها الرومي ، وكانت درقته حديدا ، فيسمع بذلك صوت منكر ، ويضربه الرومي فينغرز [ سيفه ] « 3 » لأن ترس ابن الجزري كان درقة ثبتيّة ، وكان العلج يخاف أن يعض السيف « 4 » فيعطب ، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري ، فدخلت الرشيد والمسلمين كآبة لم يصبهم مثلها ، وفرح المشركون ، وإنما كانت حيلة من ابن الجزري ، فاتبعه العلج وعلا عليه ، فلما تمكن منه ابن الجزري رماه بوهق ، فاختطفه من سرجه ، ثم عطف عليه ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه ، فكبر المسلمون وانكسر المشركون وبادروا الباب ليغلقوه . واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد أن يجعلوا في حجارة المنجنيق النار ، فليس عند القوم دفع [ بعد ] هذا ، وعاجلهم المسلمون إلى الباب فدخلوها بالسيف ، وقيل إنهم بادروا بالأمان ، وافتتاحها عنوة أشهر من قول من قال فتحت صلحا ، قال الشاعر في ذلك « 5 » :
هوت هرقلة لما أن رأت عجبا * حوائما
« 6 » ترتمي بالنفط والنار
كأن نيرانها في جنب قلعتهم * معلقات
« 7 » على أرسان قصار وصبت الأموال على ابن الجزري وقوّد وخلع عليه ، فلم يقبل شيئا من ذلك ، وسأل أن يعفى ويترك على ما هو عليه ، وفي ذلك يقول أبو العتاهية :
ألا نادت هرقلة بالخراب * من الملك الموفق للصواب غدا هارون يوعد بالمنايا * ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحلّ النصر فيها * تمرّ كأنّها مرّ السحاب أمير المؤمنين ظفرت فاسلم * وابشر بالغنيمة والإياب

هرقلية

« 8 » : بلد قديم قريب من المهدية على طريقها من تونس .

هراة

« 9 » : بلد في خراسان بقرب بوشنج ، وهي مدينة عامرة لها ربض محيط بها من جوانبها ، وداخلها مياه ، والنهر جار على باب المدينة وعليه قنطرة ، وعلى سائر أبوابها مياه جارية وبساتين ، إلا أن الباب الذي عليه القنطرة لا ترى بعد عبورك لها جرية ماء ولا اخضرار نبات . وماء هراة يخرج من قرب مخرج ماء مرو ، ويجري في
هامش
( 1 ) المروج : أشد . ( 2 ) ص ع : انغمص . ( 3 ) زيادة من المروج . ( 4 ) ص ع : السيوف . ( 5 ) نسبه المسعودي إلى أبي نواس . ( 6 ) ص ع والمسعودي : جواثما . ( 7 ) المروج : كمشعلات ؛ والرواية المشهورة « مصبغات » . ( 8 ) انظر الإدريسي ( د ) : 125 ، والبكري : 84 ( هرقلة ) . ( 9 ) انظر الكرخي : 149 ، وابن حوقل : 366 ، واليعقوبي : 280 ، والمقدسي : 306 ، وياقوت : ( هراة ) ، وآثار البلاد : 481 .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 594 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس