نول لمطة
« 1 » : من بلاد السوس الأقصى بالمغرب ، بينها وبين وادي السوس الأقصى ثلاث مراحل ، ومنها إلى البحر ثلاثة أيام ، وبينها وبين سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة وفيها جزولة ولمطة .
ومدينة نول إحدى مدن الإسلام ، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط ، وعليه قبائل لمطة ولمتونة ، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو ثلاث مراحل ، وإنما سميت نول لمطة لأن قبيل لمطة يسكنونها ، وماؤها جار ، وهي آخر بلاد السوس ، ومن أراد الدخول من وادي درعة إلى بلاد السودان ، غانة وغيرها ، فيمشي من وادي درعة نحو خمس مراحل إلى وادي تركى « 2 » ، وهو أول الصحراء ثم يسير في جبال وعرة في طريق قد فتحت في حجر صلد بالنار والخل من عمل الأول ، ويزعم قوم أن ملوك بني أميّة فتحوها ، وهذه الطريق من إحدى عجائب العالم ، ومنها إلى جبل يسمى جبل الحديد ، ومن هذا الجبل يدخل إلى بلاد لمتونة ، [ وأكثر لمتونة ] إنما هم رحّالة لا يستقر بهم موضع ، ولا يعرفون الحرث ولا الزرع ولا الخبز ، وإنما لهم الأنعام الكثيرة فعيشهم من لبنها ولحمها ، فهم يجففون اللحم ويطبخونه ويصبّون عليه الشحم المذاب أو السمن ويأكلونه ويشربون عليه اللبن قد غنوا به عن الماء ، فيبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب ماء ولا يأكل خبزا ، وربما نفد عمره ولا يأكل خبزا ولا يعرفه ، وصحتهم مع ذلك متمكنة ، وربما مرّت بهم القوافل فيتحفون ملوكهم ورؤساءهم بالخبز والدقيق .
وببلادهم « 3 » يكون اللمط الذي تعمل من جلوده الدرق ، فلا شيء أبدع منها ولا أصلب ظهرا ، وبها يقاتل أهل المغرب لحصانتها وخفة محملها ، وتصنع بهذه المدينة السروج وأقتاب الإبل ، وتباع بها الأكسية السفسارية والبرانس التي يباع الواحد منها بخمسين دينارا ، والبقر والغنم عندهم كثيرة ، والألبان والسمن ، وإليها يلجأ أهل تلك الجهات في مهم حوائجهم .
وهذا الحيوان « 4 » المسمى باللمط دابة دون البقر لها قرون رقاق حادّة تكون لذكرانها وإناثها ، وكلما كبر هذا الحيوان طال قرنه حتى يكون أزيد من أربعة أشبار ، وأجود الدرق وأغلاها ثمنا ما عمل من جلود الإناث المسنات التي قد طالت قرونها لكبر سنها حتى منعت الفحل أن يعلوها . وببلادهم أيضا الفنك كثير ، ومن عندهم تحمل جلودها إلى جميع البلاد ، وعندهم الكباش الدمانية ، وهي على خلقة الضأن إلا أنها أعظم وشعرها كشعر المعز لا صوف عليها ، وهي من أحسن الغنم خلقا وألوانا . والريحان في بلاد الصحراء وفي بلاد السوس عزيز لأن بلادهم لا تنبته ، وهو عندهم من أطيب الطيب .
ومن عجائب « 5 » هذه الصحراء ان بها معدن ملح تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن ، ويوجد الملح تحت قامتين أو دونهما من وجه الأرض فيقطع كما تقطع الحجارة ، وعلى هذا المعدن حصن مبني بالحجارة المخرجة من المعدن ، وجميع ما فيه من بيوت وغرف ومساكن إنما هو مبني بحجارة الملح ، وبهذا الملح يتجهز إلى بلاد السودان ، غانة وغيرها ، وله غلة عظيمة ، وبإزاء معدن الملح الماء العذب الطيب أخبر بذلك من عاينه .
ومن مدينة نول إلى وليلي ، وهو موضع على شاطئ البحر المحيط بالقرب منه جزيرة في البحر لا يوصل إليها إذا مدّ البحر إلا في المراكب ، وعند الجزر يوصل إليها على القدم ، ويوجد فيها العنبر كثيرا ، وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف ، وهي أكثر شيء في ذلك الموضع ، وهي مفرطة العظم وربما دخل الرجل في محار ظهورها يصيد في البحر كالقارب ، وفي هذه الجزيرة أغنام كثيرة ومواش ، وهي منتهى المراكب وآخر مراسي المغرب ، ومن مدينة نول إلى هذه الجزيرة على البر لا يفارق الساحل مسيرة شهرين في أرض محجرة تنبو عنها المعاول ويكل فيها الحديد ، وإنما يشرب من يمر على ذلك الطريق من حفر يحفرونها عند جزر البحر فتنبع ماء عذبا ، وهو من العجائب ، وإذا مات للمارين بهذا الطريق ميت لم يمكنهم مواراته بالتراب لصلابة الأرض وامتناعها عن الحفر فيسترونه بالحطام والحشيش ويقذفونه في البحر .
النوبهار
« 6 » : هو بيت نار بناه منوشهر الهندي بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك وتنقاد إليه وتحمل إليه الأموال ، وسمة المتولي بسدانته برمك ، وسميت
هامش
( 1 ) بدأ المادة بالنقل عن البكري : 161 ، ثم عن الاستبصار : 213 ، ثم الإدريسي ( د ) : 59 .
( 2 ) البكري 163 : تارجا .
( 3 ) عن الاستبصار ثم عن البكري .
( 4 ) عاد إلى النقل عن الاستبصار .
( 5 ) لا يزال النقل عن الاستبصار مستمرا .
( 6 ) قارن بياقوت ( النوبهار ) .