تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
[ بيضاء ] ، وثلاثة أشهر مسكة سوداء وثلاثة أشهر زمردة خضراء وثلاثة أشهر سبيكة حمراء ، وتفسير ذلك ان النيل إذا استوى عمّ جميع الأرض من بلاد مصر فتبقى قراها وضياعها في رواب وتلال كأنها الكواكب ويتصرف الناس بينها في الزواريق ، فتكون الأرض كدرة بيضاء ويمكث عليها ثلاثة أشهر ، فإذا نضب عنها الماء أخذ الحراثون في بذر الزرع فتمكث الأرض سوداء إلى أن ينبت الزرع وتظهّر خضرته ثلاثة أشهر فكأن الأرض مسكة سوداء ، وأيضا فإنه تفوح فيها روائح طيبة عطرة ، فإذا كبر الزرع [ وظهرت خضرته كانت الأرض كأنها زبرجدة خضراء ، وبقيت كذلك ثلاثة اشهر إلى أن يصفرّ الزرع ] « 1 » وييبس ويتناهى فتكون الأرض عند ذلك كأنها سبيكة ذهب حمراء وبقيت كذلك ثلاثة أشهر حتى يتم الحصاد . وذكر أن مصر في كتب الأوائل مصورة ، وسائر البلاد [ مادة إليها أيديها ] تستطعمها ، يريد أنها أكثر بلاد اللّه زرعا . وليلة الغطاس « 2 » بمصر أعجب شيء وهي لعشر يمضين من كانون الآخر ، وهو شهر ينير ، وحينئذ ينتهي مدّ النيل ويأخذ في الانحطاط . وأصفى ما يكون ماء النيل في ذلك الوقت ، ولهذه الليلة بمصر شأن عظيم ، يخرج الناس أجمعون بتلك الليلة لمشاهدتها ، ويعدّون ما قدروا عليه من الأطعمة والأشربة ، ويلبسون أحسن ملابسهم ، ويظهرون ما أمكنهم من الجواهر وأواني الذهب والفضة ، وأحضروا جميع الملاهي ، ويدخل الناس في الزواريق وبعضهم في الدور المشرفة على النيل ، يستعملون المشاعل والشمع الكثير ، فيحرق بمصر تلك الليلة من الشمع ما لا يحصى ، والناس على شطوط النيل في الزواريق وفي الدّور المشرفة على النيل بالطبول والأبواق وجميع الملاهي ، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأكملها سرورا ، ويغطس أكثر الناس في النيل ، ومن لم يغطس يرش عليه من الماء ، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض . وذكر محمد بن محمد بن إدريس « 3 » ان النيل على قسمين : القسم الأول نيل مصر يشق أرضها من الجنوب إلى الشمال وأكثر مدن مصر على ضفتيه معا ، والقسم الثاني من النيل يمر من جهة المشرق إلى أقصى المغرب ، وعلى هذا القسم من النيل جميع بلاد السودان أو أكثرها ، وهذان القسمان مخرجهما من جبل القمر فوق خط الاستواء بست عشرة درجة ، وان مبدأ النيل من هذا الجبل من عشر عيون [ فأما الخمسة الأنهار منها فإنها تصب وتجتمع في بطيحة كبيرة ، والخمسة الأنهار الأخر تنزل أيضا من الجبل إلى بطيحة أخرى كبيرة ، ويخرج من كل واحدة من هاتين البطيحتين ثلاثة أنهار فتمر بأجمعها إلى أن تصب في بطيحة كبيرة جدا ] « 4 » وتفترق منها الأنهار فيخرج ذراع من النيل واحد فيمر في جهة المغرب وهو قبلي بلاد السودان الذي عليه أكثر بلادها ، ويخرج منه ذراع آخر فيمرّ إلى جهة الشمال ، ويشق في بلاد النوبة وبلاد أرض مصر وينقسم في أسفل أرض مصر على أربعة أقسام فثلاثة منها تصب في البحر الشامي ، وقسم واحد يصب في البحيرة الملحة التي تنتهي إلى قرب الإسكندرية ، وبين هذه البحيرة والإسكندرية ستة أميال وهي لا تتصل بالبحر بل هي من فيض النيل ومع الساحل قليلا . وذكر قدامة « 5 » ان جرية النيل من مبدأه إلى مصبه في البحر الشامي خمسة آلاف ميل وستمائة ميل وأربعة وثلاثون ميلا ، وعرض النيل في بلاد النوبة ميل واحد ، وعرضه قبالة مصر ثلث ميل . وفي البطيحات الصغار وما بعدها من النيل التمساح وفيها الحوت المسمى بالخنزير ، وهو ذو خرطوم أكبر من الجاموس ويخرج إلى الجهة المجاورة للنيل فيرعى الزرع بها ويرجع إلى النيل ، وفي النيل سمكة مدورة حمراء الذنب يقال لها اللاش لا تظهر فيه إلا بذرة ، وهي كثيرة اللحم طيبة الطعم ، وفيه أيضا سمك يسمى الابرميس « 6 » ، وهو حوت أبيض مدور أحمر الذنب يقال إنه ملك السمك وهو طيب الطعم لذيذ يؤكل طريا ومملوحا إلا أنه لطيف ، وفيه أيضا الرأي « 7 » وهو سمك كبير لونه أحمر فيه كبير وصغير ، وفيه سمك يقال له البني كبير عجيب الطعم في الواحد منه خمسة أرطال وعشرة أرطال ، وفيه سمك في صورة الحيات ، وفيه السمك الرعادة إذا مسّها الإنسان ارتعدت يده حتى تسقط منها ، وفيه كلاب الماء وفرس الماء وفيه خلقة الفرس ، وحوافره مثل أرجل البط تنضم إذا
هامش
( 1 ) سقط من ع . ( 2 ) الاستبصار : 49 . ( 3 ) يعني الإدريسي صاحب نزهة المشتاق ، انظر ( د ) : 14 . ( 4 ) زيادة من الإدريسي ، كان في موضعها « فيصب في أرض مصر وينقسم في أسفل أرض مصر على أربعة أقسام ، فثلاثة منها تصب في بطاح » وهو سيجيء بعد أسطر . ( 5 ) لا يزال النقل مستمرا عن الإدريسي ( د ) : 26 . ( 6 ) ص ع : الابريمس . ( 7 ) الإدريسي : الريّ .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 587 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس