سوار أخر معترضة ، وقد بني القصر عليها أقباء معقودة بعضها فوق بعض بأغرب صناعة وأعظم بناء ، فكان هذا القصر حصنا عظيما ، وإنما هدم عن عهد قريب لأنه تحصن فيه قوم من القطّاع فكانوا يقطعون بتلك الجهات ويلجأون إليه ، فخرج إليهم أهل تونس فقتلوهم وهدموا القصر ، وبقربه موضع فيه أقباء ودهاليز تحت الأرض يهاب الدخول فيها ، وفيها جثث الموتى على حالها ، فإذا مسّت تلاشت لقدمها .
وداخل « 1 » المدينة ميناء تدخله المراكب بشرعها ؛ وفيها مواجل كثيرة للماء ، وبعضها يسمى بالجرير ، وآخر فيها يعرف بمواجل الشياطين بسبب أن من يقرب منها يسمع لها دويا والناس يتنافسون في الدخول فيها ، فمن جسر على دخولها ليلا علم أنه جريء القلب ثبت الجنان ، وهي منظر عظيم هائل ، من تكلم فيها بكلمة سمع فيها دوي عظيم يحكي تلك الكلمة ، وذلك لاحكام سطوحها ، وهي ثمانية عشر صهريجا مقترن بعضها ببعض ، في ارتفاعها نحو مائتي ذراع في عرض كبير ، والأظهر أنها كانت مخازن لماء عين الزغوانية المجلوب إليها على رأس الحنايا العادية التي لا نظير لها في الدنيا ، فهي من عجائب الدنيا ، وكان هذا الماء يأتي إليها على مسافة خمسة أيام من عين جوقار « 2 » ، وهو ماء كثير يقوم بخمسة أرحاء أو أكثر ، وعرض القناة نحو ثمانية أشبار ، وارتفاعها نحو القامة ونصف أعني موضع جري الماء ، وهذه الحنايا تغيب مرة تحت الأرض في المواضع المرتفعة ، فإذا جازت على المواضع المنخفضة تكون على قناطر فوقها قناطر حتى تسامي السحاب علوا ، فهي من أغرب بنيان في الأرض ، وفي وسط المدينة صهريج كبير حوله نحو ألف وسبعمائة حنية سوى ما تهدم منها ، كان يقع فيها الماء المجلوب في هذه القناة ويخرج من هذا الصهريج إلى بعض تلك المواجل ، وفي بعض أرجل تلك القناطر كتابة في حجر قيل إن ترجمتها : هذا من عمل أهل سمرقند ، وقيل إن ذلك الماء جلب في أربعين سنة ، ولو قيل في أربعمائة سنة لكان أعجب .
قالوا « 3 » : ولما افتتح موسى بن نصير جزيرة الأندلس قال لهم : دلوني على أسنّ شيخ عندكم ، فأتي بشيخ قد رفعت حاجباه عن عينيه بعصابة من الكبر ، فقال له موسى : من أين أنت يا شيخ ؟ قال : من إفريقية ، من مدينة قرطاجنة ، فقال له :
فما الذي صيرك هاهنا ، وكيف كان خبر قرطاجنة ؟ فقال له :
إن قرطاجنة بناها قوم من بقية العاديين « 4 » فسكنوها ما شاء اللّه ثم خربت ألف سنة فبناها ارمين الملك ابن لاوذ بن نمرود الجبار ، وجلب إليها الماء بالقناطر على الأودية ، وشق الجبال حتى أوصله إلى قرطاجنة ، فسكنها قومي ما شاء اللّه أن يسكنوها إلى أن حفر إنسان في أسس تلك القناطر ، فوجد حجرا عليه كتابة فيها : إن هذه المدينة ستخرب إذا ظهر فيها الملح ، قال : فبينا نحن في نديّ قومنا جلوسا إذا ملح على حجر قد عقد عليه ، قال : فتأملنا فإذا ذلك في جميع المدينة ، فعند ذلك رحلنا إلى هنا .
وعن عبد الرحمن « 5 » بن زياد بن أنعم قال : كنت أمشي مع عمّي بقرطاجنة نتأمل آثارها ونعتبر عجائبها ، فإذا بقبر عليه مكتوب بالحميرية : أنا عبد اللّه رسول رسول [ اللّه ] صالح ، بعثني إلى أهل هذه القرية أدعوهم إلى اللّه تعالى فقتلوني ظلما فحسيبهم .
اللّه وهو نعم الوكيل ، فهذا لا شك كان سبب خراب قرطاجنة « 6 » .
وذكر أورشيوش في كتابه : بنيت قرطاجنة قبل بنيان مدينة رومة باثنتين وسبعين سنة ولم تزل ذات هرج ومرج مذ كانت ، إما لمحاربة الأباعد أهلها أو لمحاربة أهلها بعضهم بعضا ، وكانوا في القديم إذا انتابهم الجوع والوبأ داووا ذلك بهرق دماء الناس ، فكانوا يذبحون أمام آلهتهم وعلى مذبح أوثانهم الصبيان والأطفال الذين قد يرحم مثلهم ويحن عليهم العدو ، وكانوا يرون هرق دمائهم قربانا ، قال : والعجب ان المعروف أن الشياطين إنما تخدع الناس فيما يشاكل شهواتهم ويوافق أهواءهم ، فأما أن تزين لهم مداواة الوبأ بقتل الناس وهرق دماء الأطفال حتى يصير فعلهم أضر من الوبأ الذي يشتكونه فإن ذلك غريب من انقياد الناس للشياطين ؛ وقالوا :
إن آلهة أهل قرطاجنة في ذلك الزمان سخطت عليهم من سبب ذلك القربان ، وكانوا إذ ذاك قد حاربوا بصقلية حروبا كثيرة فتكوا فيها ، ثم حاربوا سردانية فنكبوا ، فإذ ذاك ردّوا عودهم على قائدهم الذي كان صاحب حربهم واسمه امروه ، فنفوه ومن كان معه من
هامش
( 1 ) متابع للاستبصار : 123 .
( 2 ) البكري : جقار ؛ الاستبصار : جفان .
( 3 ) متابع للاستبصار : 124 ، وقارن بالبكري : 42 .
( 4 ) البكري : العديين .
( 5 ) متابع للاستبصار والبكري : 45 .
( 6 ) إلى هنا ينتهي نصّ الاستبصار .