تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
ويقال « 1 » إن ملكها كان ملكا جبّارا عظيم الشأن ، وكان ملك أكثر الأرض وكان يسمى أنبيل « 2 » فدخل بلاد الروم وقتل ملوكها وأخذ بلادهم ، وبعث إلى قرطاجنة من خواتيم الملوك الذين قتلهم ثلاثة أمداد ، ويقال إنه نازل مدينة رومة الكبرى التي هي دار مملكة الروم ، فلما حاصرها وضيق على ملكها « 3 » وأفسد أنظارها أرسل ملك رومة قائدا من قواده ، فحشد من كان ببلاده من الروم والجيوش ، وأمره بالوصول إلى بلاد إفريقية والنزول على قرطاجنة وخرابها ، وكان اسم هذا القائد شيبيون « 4 » ، فخربوا بلاد إفريقية ، ونزلوا بلاد قرطاجنة فلم يكن فيها من يقاوم ، فأرسلوا إلى ملكهم أنبيل يعلمونه بما حلّ ببلادهم من أهل رومة ، ويسألونه الاسراع لاغاثتهم ، فعجب من ذلك ملك قرطاجنة وقال : أردت قطع الرومانيين من الدنيا ، وأظن إله السماء أراد غير ذلك ، ثم رجع إلى بلاده فزعا ، فزحف إليه شيبيون قائد صاحب رومة فهزمه مرارا عدة حتى قتله واستأصل عسكره ، ودخل قرطاجنة فهدمها وأحرقها ، وخرب المسلمون عند فتح إفريقية بقيتها . وكان بها « 5 » قصر من أغرب ما يكون من البناء ، مفرط العظم والعلو ، أقباء معقودة بعضها فوق بعض طبقات كثيرة ، وهو مطل على البحر ، وهو حصين عظيم يسميه الناس الطياطر ، وهو بناء في استدارة عرض خمسين قوسا قائم في الهواء ، سعة كل قوس منها تزيد عن ثلاثين شبرا ، وبين كل قوس وأختها سارية سعتها أربعة أشبار ونصف ، ويقوم على كل قوس من هذه الأقواس خمسة أقواس ، قوس في حلق قوس ، صنعة واحدة ، وبناؤها من حجر الكذان ، وقد صور في [ البحر ] الداير على الأقواس أنواع الصور وضروب من التماثيل العجيبة الثابتة في الصخر من صفات الناس والسباع والحيوانات والمراكب قد أتقن ذلك بأبدع صنعة ، وسائر البناء الأعلى أملس لا شيء عليه ، فيقال إنّ هذا البناء كان ملعبا ومجتمعا في فصل ما من السنة . ومن غريب « 6 » مباني قرطاجنة الدواميس التي عددها أربعة وعشرون في سطر واحد ، طول كل داموس منها مائة وثلاثون خطوة في عرض ست وعشرين ، في أعلاها أقباء ، بين كل داموسين منها خوخات يصل منها الماء إلى جميعها بهندسة وحكمة ، وكان الماء الواصل من عين جوقار التي بقرب القيروان إلى قرطاجنة يفرغ في هذه الدواميس على عدة قناطير لا تحصى على وزن معتدل على قسي مبنية بالصخر ، فما كان منها في نشز الأرض كان قصيرا وما كان في بطون الأرض وأخاديدها كان طويلا في نهاية العلو ، وهذه القناة من أغرب مباني الأرض ، وانقطع الماء من هذه الدواميس لكسر القناة وخراب قرطاجنة ، ومن حينئذ لم يزل الهدم فيها واستخراج الرخام الكثير منها إلى الآن ، وأخبر من رأى ألواح رخام استخرجت منها طولها أربعون شبرا في عرض أربعة أشبار ، والحفر في خراباتها دائم لا ينقطع ، واخراج الرخام منها كذلك . قالوا : ويوجد بها من أعمدة الرخام ما يكون دوره أربعين شبرا ، ويحيط بقرطاجنة أوطية من سهول بها مزارع وغلات . وبقرطاجنة « 7 » [ دار الطياطر وهو كله ] « 8 » أقباء معقودة على سواري رخام وعليها مثلها نحو أربع مرات قد أحاطت بالدار ، والدار دائرة ، من أغرب ما يكون من البناء ، وبها أبواب كثيرة قد صوّر على كل باب منها صورة نوع من الحيوان ، وقد صور في الحيطان صور جميع الصناع بأيديهم آلاتهم ، وفي هذه الدار من الرخام ما لو أجمع أهل إفريقية على نقله ما قدروا عليه لكثرته ، وكان فيها قصران يعرفان بالأختين ليس فيهما حجر سوى الرخام ، ورخام الواحد لا يشبه رخام الثاني ، ويوجد فيها لوح رخام طوله ثلاثون شبرا وعرضه خمسة عشر شبرا ، ويقال إنه وجد فيها غارب « 9 » بيت من لوح واحد ، والناس ينقلون من رخام هذين القصرين لحسنه على قدم الزمان ، وما فرغ إلى الآن ، وبهذين القصرين ماء مجلوب يأتي من ناحية الجوف لا يعرف من أين منبعه ، وكان عليه نواعر وسواق تسقي بساتينهم ، وكان بها قصر عظيم يطل على البحر يسمى قومش « 10 » وهو من أعجب ما فيها لأنه مبني على سواري رخام مفرطة الكبر والعظم ، يجلس على رأس السارية منها اثنا عشر رجلا بينهم سفرة طعام أو شراب ، وهي مشطبة كالملح بياضا والمها صفاء ، يكون دور السارية منها نحو الثلاثين شبرا في علو مفرط ، وعليها
هامش
( 1 ) عاد إلى النقل عن الاستبصار . ( 2 ) (Hannibal) و « يقال » على التشكيك خلاف ما أورده البكري : 42 وما بعدها ، حيث قال : وكان سبب خراب قرطاجنة أن انبيل . . . ثم تحدث بوقائع التاريخ الدقيق . ( 3 ) لا يستعمل البكري هذه اللفظة ، لأن روما حينئذ لم يكن فيها ملوك . ( 4 ) هوScipio Africanus( 5 ) بتصرف قليل عن الاستبصار : 122 ، وقارن بالبكري : 43 ، والنص أقرب إلى الإدريسي : 112 . ( 6 ) متابع للادريسي . ( 7 ) الاستبصار : 122 . ( 8 ) زيادة ضرورية للتوضيح . ( 9 ) الاستبصار : في غربيها . ( 10 ) ع ص : ترمش ، والتصحيح عن البكري : 44 وفيه النص .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 463 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس