قرطاجنة :
هذا الاسم في ثلاثة مواضع ، أحدها بالأندلس « 1 » عند جبل طارق ، وهي مدينة للأول غير مسكونة وبها آثار كثيرة وتعرف بقرطاجنة الجزيرة وبمرساها نهر يريق في البحر يعرف بوادي الرمل .
والثانية قرطاجنة الخلفاء « 2 » بالأندلس أيضا من كورة تدمير ، وهي فرضة مدينة مرسية ، وهي مدينة قديمة أولية بها ميناء ترسي فيه المراكب الكبار والصغار ، وهي كثيرة الخصب والرخاء المتتابع ، ولها إقليم يسمى الفندون « 3 » وقليلا ما بوجد مثله في طيب الأرض وعذوبة الماء ، ويحكى أن السنبل يحصد فيه عن مطرة واحدة ، وإليه المنتهى في الجودة . ومن مدينة قرطاجنة إلى مرسية في البر أربعون ميلا .
وبقرطاجنة هذه هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير ابن غندرس « 4 » الذي سميت به تدمير ، هزمه وأصحابه ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم كيف شاءوا حتى نجا تدمير في شرذمة من فلّال أصحابه إلى حصن أوريوله ، وكان مجربا بصيرا داهية ، فلما رأى قلة أصحابه أمر النساء فنشرت شعورهن وأمسكن القصب بأيديهن ووقفن على سور المدينة في من بقي من الرجال ، وقصد بنفسه كهيئة الرسول واستأمن فأمّن ، وانعقد له الصلح ولأهل بلده ، وافتتحت تدمير صلحا ، فلما نفذ أمره عرّفهم بنفسه وأدخلهم المدينة ، فلم يروا بها إلا نفرا يسيرا من الرجال فندم المسلمون على ما كان منهم ، وكان ما انعقد من صلح لتدمير مع عبد العزيز على اتاوة يؤديها وجزية عن يد يعطيها ، وذلك على سبع مدائن منها :
اوريولة ولقنت وألش وغيرها ، وتاريخ فتحها رجب من سنة أربع وتسعين .
ومن الغرائب « 5 » ما حكي ان ديرا بقرطاجنة الخلفاء كان على مقربة منه قبر لامرأة شهيدة ولها قدر عندهم وعلى القبر قبة في أعلاها كوة لا يعلو تلك القبة طائر ، فإن علاها اجتذبته قوة من تلك الكوة فيسقط في القبة ، وقد أخبر رجل بهذه القصة وهو يتصيد بقرطاجنة فأنكر ذلك واعتمد وضع جوارح صيده على القبة فتساقطت داخلها ، وكان بتلك القبة مشهد عظيم في يوم من العام يجتمع إليها الداني والقاصي من نصارى تلك النواحي وذلك في الرابع والعشرين من اغشت ، فلما كانت سنة أربع عشرة وأربعمائة قصد جماعة من نصارى بلاد افرنجة في مركب حربي إلى تلك القبة فاستخرجوا منها الشهيدة واحتملوها ، فلما وصلوا بها إلى جزيرة صقلية بذل لهم نصاراها مالا عريضا ليتركوا المرأة عندهم فيقبروها في كنائسهم ، فأبوا عليهم ووصلوا بها إلى بلادهم .
والثالثة : قرطاجنة إفريقية وهي اجلّها وأشهرها ، حتى قال المسعودي لما ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم ، قال « 6 » :
كان بيت معظم قبل ظهور دين النصرانية ببلاد المغرب بقرطاجنة ، وهي تونس وراء بلاد القيروان ، وهي من أرض الافرنجة ، وبني على اسم الزهرة بأنواع الرخام .
وبين قرطاجنة « 7 » وتونس عشرة أميال أو نحوها ، ومرساهما واحد ، وقرطاجنة من المدن المشهورة ، وفيها من الآثار وعجائب البنيان ما ليس في بلد شرقا ولا غربا ، ولو دخلها إنسان ومشى فيها عمرة يتأمل آثارها لرأى كل يوم فيها أعجوبة لم يرها قبل ذلك .
وهي الآن خراب لأن المسلمين لما غزوها في صدر الإسلام هرب أهلها « 8 » من باب يقال له باب النساء ، فمنهم من فرّ إلى الأندلس ، ومنهم من فرّ إلى جزيرة صقلية ، ويقال إن حسّان ابن النعمان لما غزاها في سلطان عبد الملك أو غيره خربها وكسر قناتها .
وإنما الباقي « 9 » منها الآن قلعة تسمى المعلقة ، كان يسكنها قوم من العرب يعرفون ببني زياد ، لما طلع عبد المؤمن بن علي إلى إفريقية قبض على أميرهم محمد بن زياد وضرب عنقه ، وكانت في وقت عمارتها من غرائب البلاد وفيها من عجائب البناء وظهور القدرة في ذلك ما لم يبلغه أحد .
هامش
( 1 ) بروفنسال : 151 ، والترجمة : 180 .
( 2 ) بروفنسال : 151 ، والترجمة : 181 (Cartagena) والأصوب أن يقال فيها قرطاجنة الحلفاء - بالحاء المهملة - ؛ والفقرة الأولى عن الإدريسي ( د ) : 194 .
( 3 ) ص ع : الهندور .
( 4 ) غندريس عند العذري : 4 الذي تحدث عن هذه الأحداث نفسها ، وكذلك ابن عذاري 2 : 11 .
( 5 ) انظر العذري : 6 .
( 6 ) مروج الذهب 4 : 57 .
( 7 ) الاستبصار : 121 .
( 8 ) إن نسبة تخريب قرطاجنة إلى الفتوحات الإسلامية فيه نظر كثير ، وما بعد تخريب الرومان لها ما يجعل أي تخريب مستأنف ذا قيمة ، فقد امحت حضارة قرطاجنة وطويت صفحتها سنة 146 ق . م .
( 9 ) الإدريسي ( د ) : 112 .