تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
التوجه للإسكندرية لقتال من بها من الروم ، أمر بنزع الفسطاط ، فإذا فيه حمام قد أفرخ ، فقال عمرو رضي اللّه عنه : لقد تحرم منا بحرم ، فأمر بالفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه ، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية بعد فتحها قال الناس : أين ننزل ؟ فقيل : الفسطاط ، لفسطاط عمرو الذي تركه في المنزل بمصر . ثم بدأ عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه فبنى المسجد ، وبنى الناس مكان مصر الآن . وهي مدينة « 1 » كبيرة في غاية من العمارة والخصب والطيب والحسن ، فسيحة الطرقات قائمة الأسواق نافقة التجارات متصلة العمارات ، لأهلها همم سامية ، وطولها ثلاثة فراسخ ، والنيل يأتيها من أعلى أرضها فيجتاز بها من ناحية جنوبها وينعطف مع غربيها ، وبناء دورها كلها وقصورها طبقات بعضها فوق بعض خمسا وستّا وسبعا ، وربما سكن في الدار المائة من الناس ، ومعظم بنائها بالطوب ، وأكثر سفل ديارهم غير مسكون ، ولها مسجدان جامعان للخطبة ، أحدهما بناه عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه في وسط السوق يحيط به من كل جهة ، وكان في أوله كنيسة للروم فصيره عمرو جامعا ، والجامع الآخر بناه أحمد بن طولون وبنى أيضا جامعا آخر يسكنه العباد وناس من أهل الخير . وعلى الجملة فمصر عامرة بالناس ، وفي أهلها رفاهية وظرف شامل وحلاوة ، وفي جوانبها بساتين وجنات ونخل وقصب سكر ، كل ذلك يسقى بماء النيل . وأرض مصر لا تمطر إنما هو ماء النيل ، وليس في أرض مصر مما يلي النيل قفر ، إنما هو كله معمور بالبساتين والأشجار والقرى والمدن والناس والأسواق والبيع والشراء ، وبين طرفي النيل خمسة آلاف وستمائة وأربعة وثلاثون ميلا ، وقيل غير ذلك ، وعرضه في بلاد النوبة والحبشة ثلاثة أميال ، وعرضه بمصر ثلثا ميل ، وليس يشبه نهرا من الأنهار . ويقابل مصر « 2 » جزيرة في النيل ، فيها المباني والمتنزهات ودار المقياس ، وهي دار كبيرة في وسطها فسقية كبيرة ، وينزل إليها بدرج رخام ، وفي وسط الفسقية عمود رخام قائم ، فيه رسوم أعداد أذرع وأصابع بينها ، والماء يصل إلى هذه الفسقية ، ولا يدخلها الماء إلا عند زيادة النيل ، ويكون في شهر أغشت ، والوفاء من مائه ستة عشر ذراعا ، وهو الذي يروي أرض السلطان باعتدال ، فإذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا [ أروى جميع الأرضين التي هناك ، فإذا بلغ عشرين ذراعا ] « 3 » فهو ضرر ، وأقل زيادته اثنا عشر ذراعا وهي أربع وعشرون إصبعا والزائد على الثمانية عشر ذراعا ضرر يقلع الشجر ويهدم ، وما نقص عن اثني عشر ذراعا فيه القحط والجدب وقلة الزراعة .

فسّا :

بتشديد ثانيه « 4 » مقصور ، مدينة من بلاد فارس ، أنشد الأصمعي : من أهل فسّا ودرابجرد والنسب إليها فسوي ، وإليها ينسب أبو علي الحسن بن أحمد ابن عبد الغفار الفارسي الفسوي « 5 » . وبينها وبين « 6 » درابجرد أربعة وخمسون ميلا ، وفسا مدينة واسعة وأبنيتها أفسح وأتم من أبنية شيراز ، والغالب عليها خشب الصنوبر والسرو ، وهي عامرة بالناس والجلة والتجار والمياسير ، وهي تقارب شيراز في كبر مقدارها وكثرة عمارتها ، وهواؤها أصح من هواء شيراز ، وعليها حصن حصين وأبواب خشب محددة ، وحولها خندق واسع عميق ، وبها ربض ، وأكثر أسواقها في ربضها ، وبها من غلّات الرطب والبلح والجوز والأترج والسفرجل والقصب الحلو ما يقوت ويكفي ويزيد على الحاجة . وكان عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه بعث سارية بن زنيم إلى فسا ودرابجرد في جيش وأمّره عليهم ، وكان سارية في الجاهلية خليعا وحسن إسلامه ، ثم وقع في بال عمر رضي اللّه عنه وهو يخطب يوم الجمعة أنهم لاقوا العدوّ وهم في بطن واد ، وقد هموا بالفشل ، وبمقربة منهم جبل ، فقال في أثناء خطبته رافعا صوته : يا سارية بن زنيم ، الجبل الجبل ، ظلم من استرعى الذئب ، فحمل اللّه تعالى صوته وألقاه في سمع سارية ، فانحاز بالناس إلى الجبل ، وقاتلوا العدوّ من جنب واحد ففتح اللّه عليهم .
هامش
( 1 ) الإدريسي ( د ) : 142 ( 2 ) النقل مستمر عن الإدريسي ( د ) : 144 . ( 3 ) زيادة من الإدريسي . ( 4 ) لم أجد أحدا ضبط « فسا » بتشديد السين ، وأصلها « بسا » وينسب إليها أيضا : « بساسيري » . ( 5 ) أبو علي الفارسي شيخ ابن جني توفي سنة 377 ؛ انظر ابن خلّكان 2 : 90 وفي الحاشية ذكر لمصادر ترجمته . ( 6 ) نزهة المشتاق : 126 ، وقارن بياقوت ( فسا ) ، والمقدسي : 423 ، والكرخي : 78 .