تملكها خوارزم شاه ، وقتل غياث الدين بن غياث الدين بن سام صاحبها ، ثم تملك الباميان وقتل صاحبها علي بن سام ، وهو آخر ملوكهم ثم عطف في سنة اثنتي عشرة وستمائة « 1 » على غزنة التي كانت سرير السلطان محمود بن سبكتكين وولده من بعده بمعظم عساكره ، وكانت حصلت في يد ألدز مولى شهاب الدين ، فلما فرغ خوارزم شاه من تملك فيرزكوه قاعدة الغور عطف على غزنة ، وتحيل عليها إلى أن خرج ألدز يوما يتصيد ، فأغلقها نائبه في وجهه على الذخائر العظيمة ورفع أعلام خوارزم شاه في قلعتها وطيّر بالخبر إلى خوارزم شاه ، فوصل إلى غزنة واحتوى عليها ، في خبر يطول .
الفيوم
« 2 » : في البلاد المصرية ، وهو نظر كبير فيه قرى كثيرة ، يقال إن فيه من القرى عدد ما في قطر مصر كلها من القرى ، فإن يوسف عليه السّلام حين صنعه أنزل في كل قرية أهل بيت من قرى مصر ، وصيّر لكل قرية من الماء بقدر ما يروي أرضها من غير زيادة ولا نقصان ، ويقال أيضا إن بالفيوم ثلاثمائة قرية على عدد أيام السنة لا تقصر عن الري أبدا لحكمة شربها ، فإذا نقص النيل في سنة من السنين وغلا السعر بمصر مارت كل قرية منها مصر يوما .
وحجر اللهون بالفيوم من عجائب الدنيا ، واللهون قرية كبيرة من قرى الفيوم ، وهذا الحجر شاذروان بين طبقين من أحكم صنعة ، مدرج على ستين درجة ، فيها فوارات في أعلاها وفي وسطها وفي أسفلها ، فتسقي العليا الأرض العليا ، والوسطى الأرض الوسطى ، والسفلى الأرض السفلى ، بوزن وقدر لا ينقص لأحد دون حقه ولا يزيده فوق حقه ، وهو من أحكم البنيان وأتقنه ، قيل : ومن ذلك الوقت عرفت الهندسة .
وقد ذكر كثير من الناس أن يوسف عليه السّلام عمله بالوحي ، ولم يزل الملوك من الأمم يقصدون هذا الموضع ويتأملون حسن صنعته ويتعجبون من غرائب حكمته ، ويقال إن الملك المعاصر ليوسف عليه السّلام لما تأمله قال : هذا من ملكوت السماوات ، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الزمان ، ويقال إنه عمل من ثلاثة أشياء : من الفضة والنحاس والرخام « 3 » ، وفي الضفة الغربية منه مسجد يقال له مسجد يوسف ، والفيوم يشرب من ذراع اثني عشر وليس بأرض مصر موضع يشرب من ذراع اثني عشر غير الفيوم لحكمة بنيان هذا اللهون ، وإنما ري أرض مصر يشرب من ذراع ستة عشر ، فإذا زاد النيل على اثني عشر قطع الماء عن الفيوم ، وإذا كان يوم سد حجر اللهون حضر ذلك شهود أهل تلك الجهة وأمراؤهم « 4 » بالطبول والبنود ، والمهندسون من أهل تلك الجهة ، فلم يكن لمن يدّعي نقصا من الماء عذر ، وخرجت الإرسال عند ذلك بالبشائر إلى مصر ، وهو عندهم يوم نوروز « 5 » ونزهة . وأهل الفيوم يزدرعون والماء باق على جميع أرض مصر ، ويكون الحصاد عندهم وجميع من في أرض مصر لم يتم حرثه ، فإذا كان حصاد أهل مصر كان ذلك أول السقية الثانية لأهل الفيوم ، لأنهم يزدرعون في العام مرتين ، ويزدرعون في السقية الثانية القمح والشعير والأرز فضلا عن القطاني . والفيوم أخصب بلاد اللّه وأكثرها فاكهة ، لا يعدم بها الرطب شتاء وصيفا ولذلك غلتها أكثر جبايات مصر .
قيل وإنما سميت الفيوم لأن خراجها ألف دينار كل يوم ، والفيوم في وسط بلاد مصر ، فلا يؤتى إلى كورة الفيوم من ناحية من النواحي لا من صحراء ولا مفازة . ولمّا فتح عمرو بن العاصي بلاد مصر أقام سنة لا يعلم أين الفيوم ولا حيث مكانه ، حتى بعث عمرو بن قيس إلى ناحية الصعيد ، فأبطأ عليه خبره ، فقال : من يأتينا بخبر ابن قيس ؟ فقال ربيعة بن حبيب : أنا آتيك به ، فركب ثم جاز النيل من الجهة الشرقية فلم ير شيئا ، فلما همّ بالانصراف وسار قليلا طلع سواد الفيوم فأتوا عمرا بخبره .
هامش
مدينة فيرزكوه عاصمة لهم ، وهي قلعة ضخمة في الجبال لا يعرف موقعها اليوم . وقد ظلّ الغوريون يحكمون حتى سنة 612 عندما تغلب عليهم خوارزمشاه وسقطت دولتهم التي كان سلطانها يمتد من دلهي حتى هرات ، وانظر ياقوت ( فيروزكوه ) .
( 1 ) ص ع : وسبعمائة .
( 2 ) المادة كلها عن الاستبصار : 90 ، وقارن بياقوت ( الفيوم ) ، والإدريسي ( د ) : 146 وخطط المقريزي 1 : 245 ، وابن الوردي : 23 ، وعن اللاهون ( اللهون ) نقل في صبح الأعشى 3 : 297 عن الروض .
( 3 ) الاستبصار : والزجاج .
( 4 ) الاستبصار : وأمروهم .
( 5 ) الاستبصار : سرور .