تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣

الزاوية

« 1 » : بالعراق عند البصرة بينهما فرسخان ، قال البخاري : كان أنس بن مالك رضي اللّه عنه في قصره بالزاوية « 2 » أحيانا يجمع وأحيانا لا يجمع . ولمّا توجّه « 3 » علي رضي اللّه عنه إلى البصرة بعد مخرج طلحة والزبير وعائشة رضي اللّه عنهم إليها للطلب بدم عثمان رضي اللّه عنه سار حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية ، فصلّى أربع ركعات وعفر خديه في التراب وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع رأسه يدعو : اللهم ربّ السماوات وما أظلت والأرضين وما أقلت ورب العرش العظيم رب محمد ، هذه البصرة ، أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرّها ، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين ، اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا علي وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي ، اللهم احقن دماء المسلمين . وبعث إليهم من يناشدهم اللّه تعالى في الدماء ، وقال علام تقاتلونني ؟ فأبوا إلا الحرب ، فاقتتلوا ، فقتل الزبير وطلحة رضي اللّه عنهما في خلق من الناس وعقر جمل عائشة رضي اللّه عنها ، فقام عليّ رضي اللّه عنه خطيبا في الناس رافعا صوته يقول : أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيرا ، ولا تتبعوا موليّا ، ولا تطلبوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، ولا تهتكوا سترا ، ولا تقربوا شيئا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة ، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه تعالى ؛ وقصة الجمل على طولها مشهورة فليقتصر على هذا القدر . وبالزاوية هذه أيضا كانت الوقيعة بين الحجّاج بن يوسف وبين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس ، وكان عبد الرحمن قد خلع الحجّاج وعبد الملك وبايعه الناس على ذلك وبايعه عليه أهل الفضل والقراء وقاموا منكرين لأمر الحجّاج ، فكانت بينهم وقائع كثيرة هذه منها ، وذلك سنة اثنتين وثمانين أو في سنة ثلاث وثمانين ، وكان دخل البصرة فبايعه أهلها على حرب الحجاج وخلع عبد الملك ، وكان هزم الحجاج وملك البصرة ، وبعد ذلك انهزم عبد الرحمن ولحق بالكوفة ، ثم توالت عليه الهزائم إلى أن فرّ عبد الرحمن إلى رتبيل ملك الترك واستجار به ، فبعث إليه الحجاج من ضمن له الأموال فأسلمه فقتل نفسه ، فسيق رأسه إلى الحجاج ، وكانوا أولا تزاحفوا فاشتد قتالهم وهزمهم أهل العراق حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم ، ثم إنهم تزاحفوا فانهزم أهل العراق فخّر الحجاج فيه ساجدا ، وأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه أهل القوة من أصحابه ، إلى أن كان من أمره ما ذكرناه وكانت بينهم وقائع ننبه عليها حين يأتي ذكر شيء من مواضعها .

الزاهرة

« 4 » : مدينة متصلة بقرطبة من البلاد الأندلسية ، بناها المنصور بن أبي عامر لما استولى على دولة خليفته هشام ، قال ابن حيان « 5 » : كان الخليفة الحكم وقف من الأثر على البقعة التي بنيت فيها الزاهرة ، وكانت ملوك المروانية قبله تتخوف ذلك ، وكان ألهجهم بشأنها الحكم ، فنظر فيها وقاس على مجالها « 6 » البقعة المدعوة بألش ، بفتح اللام ، وهي بغربي مدينة الزهراء ، ووجد انتقال الملك إليها فأمر حاجبه أبا أحمد الصقلي « 7 » بالسبق إلى بنائها طمعا في مزية سعدها ، ولا يخرج الأمر عن يده ولده ، فأنفق عليها مالا عظيما ، فمن الغرائب أن محمد بن أبي عامر تولى له شأنها ولا يعلم يومئذ به ، ثم وقع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع « 8 » وانها بشرقي مدينة قرطبة ، وأنفذ بفتاه « 9 » للوقوف عليها فانتهى إلى منزل ابن بدر المسمى ألش ، مضمومة اللام ، وأصاب هناك عجوزا مسنة وقفته على حد الارتياد وقالت له : سمعنا قديما أن مدينة تبنى هنا ويكون على هذه البئر نزول ملكها ، فكم تعنّى « 10 » أمير المؤمنين بالسؤال عنها وأمر اللّه تعالى واقع لا محالة ، فعاد الرسول بالجلية ، فلم تطل المدة حتى بناها محمد بن أبي عامر وبنوا أرجاء تلك البئر قرارة . قال الفتح بن خاقان « 11 » : لما استفحل أمره واتقد جمره وجل شأنه وظهر استبداده وكثر حساده وخاف على نفسه من الدخول إلى قصر السلطان ، وخشي أن يقع لطالبه في أشطان ، توثق لنفسه ، وكشف له ما ستره عنه في أمسه ، من الاعتزاز عليه ، ورفض الاستناد
هامش
( 1 ) معجم ما استعجم 2 : 693 . ( 2 ) ذكر ياقوت ( الزاوية ) ان الزاوية التي فيها قصر أنس على فرسخين من المدينة . ( 3 ) مروج الذهب 4 : 313 . ( 4 ) بروفنسال : 80 ، والترجمة : 100 . ( 5 ) ابن عذاري 2 : 275 . ( 6 ) بروفنسال : جهاتها ؛ ع : مجانها ؛ ص : هجانها . ( 7 ) بروفنسال : المصحفي ، ص : المصقلي . ( 8 ) ص ع : اليوم . ( 9 ) بروفنسال : رسوله ؛ وفي ص ع بفسه . ( 10 ) بروفنسال : سعى ؛ ع : يعتني . ( 11 ) ابن عذاري 2 : 294 - 297 ، والنفح 1 : 578 .